والدة إسراء الطويل تكتب: أطلقوا سراحها ولو أسقطتم الجنسية

  الطالبة المختطفة إسراء الطويل

من قلب أم أكتب.. مش بقلمها ، أنا لا أجيد الكتابة.. ولا أجيد كلام المديح ، أحيانا نحس أنه حتي الكلام واللغة فقيرة عن وصف ما أنا به من ألم.
أيوه قلبي يعتصر ألماً.
ولن يصف حالتي الله عندما قال عن أم موسي. وأنا لا أشبه نفسي بأم موسي ولكن ما في قلبي الآن هو ما كان في قلب أم موسي (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). قلب أم موسي هو نفسه قلب أم اسراء. هكذا ربنا خلق قلوب الأمهات.


إسراء فرحة عمري. هي أول من قالت ماما، هي أول من احتضنها قلبي وكل جوارحي ، إسراء طفلة جميلة حبيبة كل الناس. وتحب كل الناس.
إسراء اجتماعية بشكل غير عادي. وهي بنوتة صغيرة في الرابعة من عمرها. أصحابنا اللي فوق كانوا ييجوا عندنا، إسراء كانت تخفي أحذيتهم في دولاب الملابس ونفضل ندور عليها كتير عشان الناس ما تمشيش وكانت تطلب منهم يباتوا معنا.


كبرت إسراء ونفس الصفات فيها، من حبها لمن تحبهم ،كانت من المتميزات في كل شيء. هي ليست كأحد.
كبرت أمامي بملامحها الخارجية فقط ولكن طفولتها لم تكبر.. وظلت الطفلة تكبر.
إسراء دايما تساعد الناس بكل ما تملك من وهي صغيرة.
كانت تجلس علي الكمبيوتر بالساعات الطويلة دون ملل أو كلل، والآخر أجدها بتقوم بعمل أشياء طلبها منها بعض أصدقاءها. من إنشاء مواقع علي النت أو تعريب مواقع أو.. أو.. حاجات كتير، ربما يري كلامي بعض من عملت لهم إسراء أعمال.


كان في ناس لا تعرفهم يطلبوا منها أعمال مقابل مال، إسراء كانت ترفض وتقول انا بتعلم ومخسرتش حاجة في اللي اتعلمته، يبقى ازاي أخد عليه فلوس؟
أنا نفسي كنت أقول لها وقتك ومجهودك ملوش مقابل؟ تقولي مقابل إني بعرف ناس كويسة أحسن مني في حاجات تاني كتير؟
إسراء تعلمت ذاتيا، علمت نفسها، وكانت بتقول أنا متعلمتش حاجة من المدارس.
إسراء كان عالم النت بالنسبة لها هو أجمل عالم، لأننا بطبيعة حياتنا في السعودية كانت علاقاتنا محدودة.
إسراء عملت علاقات قوية جدا من عالم النت. عملت أصحاب لا يمكن أن يكونوا في الواقع. كانت من تحبهم قوي تحكي لي عنهم دون غيرهم.
كان كل أصحاب إسراء ناس كبيرة في السن وفي العقول، كنت بقول لها كل اصحابك كبار يا إسراء. مفيش حد من سنك. تضحك.


احلام اسراء مش هقول كأي بنت في سنها
إسراء كانت بتحلم لغيرها أكتر من نفسها، كان نفسها متشوفش مظلوم ولا محتاج. كان نفسها تعيش بدون خوف ولا قلق علي نفسها ولا علي حد، حلمها تقريبا شبه مستحيل عشان مش بتحلم لنفسها.
إسراء بتحس بقهر وبتحزن لما تشوف رجل كبير في السن  بيبيع أي حاجه في الشارع عشان محتاج.
إسراء مصروفها اللي ابوها كان بيبعته لها مكنش بيكفي أسبوعين. مش عشان هي مسرفة. عشان بيبقي نفسها تساعد أي حد تشوفه محتاج.

 
هي دي كانت أحلام إسراء. ولها قصص كتير من ذلك القبيل ومع مصروفها اللي كانت بتوزعه علي المحتاجين وتقعد من غير مصروف لحد ما نبعت لها.
أحلامها تقريبا مش هتتحقق.
وكانت سعيدة إنها هتدخل الجامعة في مصر. حاولنا معها كتير ندخلها كلية في السعودية رفضت بشدة. وكان حلمها أن تعيش في مصر اللي مكنتش بتروحها إلا في الأجازات. ورغم ذلك كانت مصر هي المكان اللي بتحلم تعيش فيه.
ولأنها مكنش ممكن ترضي بشيء هي غير مقتنعة به وافقنا إنها تدرس في مصر.
وكان من أول الإحباطات التي واجهت اسراء في بداية شق طريقها أن درجاتها جاءت أقل من الكلية اللي هي عاوزاها. وكان بالنسبة لها صدمة كبيرة جداً.

 
كان نفسها تدرس في مجال الكمبيوتر لحبها له. ولكن للأسف تحكم في مستقبلها مكتب تنسيق لا يعرف قدرات الناس إلا بعدد الدرجات وليس بما يحبوا أن يدرسونه أو مواهبهم أو حبهم للمجال اللي بيحبوه ،ودخلت كليه غير اللي كانت عاوزاها.
وكان نزول إسراء مصر موافق نفس عام الثورة. وشاركت إسراء في الثورة ككل الشباب. وأخذوا يبنوا أحلامهم. وقالت مش مشكلة لو ضاعت سنة دراسية، المهم إن الثورة تنجح. ولكن للأسف.

 
إسراء ليست ناشطة سياسية، ولا تنتمي لأي حزب ولا أي جماعة. إسراء هي حزب نفسها وجماعة نفسها. ولا يمكن أن أحد يملي عليها أي شيء هي ليست مقتنعة به حتي لو كان أنا أو أبوها.


إسراء كانت فقط تتبع قلبها وعقلها وإنسانيتها ، إسراء لها أصدقاء وأصحاب من جميع التيارات المختلفة. وقدرت أن تحافظ علي علاقتها بهم.

 
إسراء بتحب كل أصحابها من كل التيارات. ولأنها عملت هذه الصداقة من قبل الثورة وعارفه كل شخص تفكيره ايه.
إسراء اشترت كاميرا وبدأت تتعلم التصوير، وحبت التصوير بشكل غير طبيعي، وكانت تطبق ما تعلمته في تصوير أصحابها وأي منظر جميل تقع عينها عليه.

 
إسراء أصبحت مصورة، تصور أصحابها ومناسباتهم وأفراحهم وحتي أحزانهم وكل حالاتهم.
أصبح أهم شيئين في حياة إسراء أصحابها وكاميراتها. كانت تنزل مع أصحابها المسيرات فقط عشان تصور، مش عشان هي تبع أي اتجاه.


وصورها شخصية.. لأنها ليست صحفية.

 
استمر الوضع ليس كثيراً ،و اعتقل كثير من أصحاب إسراء ومنهم من استشهد ومنهم من خرج وترك البلد. كانت تتألم لحالهم ولما وصلوا له. 

وتبدأ معاناة إسراء بعد إصابتها برصاصة في الظهر وبدأت معاناتنا جميعا كأسرة خاصة وأصدقاءها وكل من يعرفها عامة.
قضت إسراء عام كامل، كله ألم بمعنى كلمة ألم. أنا كنت لا أتحمل آلامها كأم، ولكن إسراء علمتني أعظم درس، درس الصبر. والله تعلمت منها الصبر.


كان أكتر حاجة إسراء تخاف منها إنها ممكن تعتقل، أيوه كانت تخاف أن تعتقل وتقولي مقدرش أتحمل، وأنا كذلك كنت أقولها لا أقدر أن أتحمل.

 
كنا نجلس نحمد الله علي الإصابة وأنها نايمة في بيتها وبتلاقي أكل بتحبه ونومة بتحبها، وأصحابها بيجوا لها في أي وقت، وكانت صابرة ومحتسبة وراضية.

 
كانت في شدة آلامها ومرضها متابعة كل أخبار أصحابها مكنتش بتنام وهي بتتألم ولا تقوي علي تحريك جسمها دون مساعدتي. كانت إذا نامت علي جنب لا تقدر أن تتحول إلي الآخر دون مساعدة.
قضت عام كله ألم ووجع وإحساس بالقهر والظلم لأنها لا تستحق اللي هي فيه.
هي بتحب مصر ومصر مش حبتها.
أصبحت إسراء مشلولة بمعني كلمة مشلولة. كنت بخبي منها تقرير الأطباء عشان لا تقرأ كلمة مشلولة.
وهي فعلاً كانت مشلولة…عام كامل من المعاناة والألم.
إسراء عمرها ما بتحب تطلب من حد يعمل لها أي حاجة مهما كانت صلته بها.
كان أصعب حاجة علي نفسها عندما يحملها شخصين علي كرسي متحرك عشان ننزلها السلم. كان يبقي نفسها تشوف الشارع وتبقي شايلة هم إن حد يشيلها بالكرسي أو يشيلها من الكرسي للعربية أو العكس.
بدأت إسراء رحلة العلاج المكثف من علاج طبيعي وأدوية ،بدأت بعد السنة تتعافي وتفرح وهي بتحاول تقف لمدة دقيقة أو أكثر.

من أكتر لحظات السعادة اللي مرت علي إسراء وقت إصابتها إنها قدرت تركع رغم إنها مكنتش قادرة، مكنتش مصدقة إنها ركعت. ولقتها بتكلمني وهي فرحانة: ماما أنا عرفت أركع في الصلاة وكذلك في السجود.
وشوية شوية بتتحسن واستغنت عن الكرسي المتحرك وبدأت تستعمل المشاية. وظلت بها فترة ليست قصيرة وهي في طريقها للتعافي ونحن نراقبها كالطفل اللي بتعلم المشي ونفرح جميعا أسره وأصدقاء وحتي أطباءها.


إسراء بتضايق جداً لما تمشي بالعكاز وبتضايق من نظرات الناس المتخلفة اللي بيبصوها لأي حد مش ماشي طبيعي.
إسراء جربت تخرج من غير العكاز مع أصحابها، وأصحابها تحملوها بنات وولاد وبقوا يسعدوها ويظهروا لها سعادتهم وهم كان لهم فضل كبير في شفاء إسراء بعد الله.


من أجمل وأسعد أوقاتها إن حد من أصحابها يقولها احنا جايين نخرجك.
إسراء من بعد إصابتها ليس لها أي اهتمام إلا بأصحابها فقط. كانت بتتخانق مع الناس اللي بينزلوا مسيرات لدرجة إنها تخاصمت مع بعضهم وكانت ضد أي حراك في الشارع.
وكانت بتقول لهم كفاية خلاص.

 

إسراء مفيش أي شيء في حياتها غير أصحابها وقطتها اللي أصبحت بمثابة ابنتها من شدة تعلقها بها، أصحابها هم الأمل الأخير في حياة إسراء اللي بتستمد منهم قوتها وبتعيش ،حتي جاء ذلك اليوم الذي اختطفت فيه إسراء وأصحابها عندما خرجت تتفسح مع أصدقاءها لتركب خيل معهم.
ولم تعد حتي الآن ولم نعرف لها أي مكان ،من حقي كأم أن أعرف مكان بنتي، أنا لا بنام ولا بقدر أبلع الأكل وبنتي مش عارفه عنها حاجة.

 

لو بنتي مرتكبة جرم أو مصيبة ليه أخفيتموها؟ ليه مش بيعلنوا إنها مذنبة وفي قانون؟ مين يحمي لي بنتي إذا كان اللي بيحمونا من وجهة نظرهم هما اللي خاطفين بنتي وخفينها.
مش بقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل في اللي تسبب في قهري وقهر بنتي وقهر أسرة كاملة.
بنتي ضاعت عليها سنة.
وأخواتها سابوا الامتحانات وبيلفوا كعب داير في أقسام القاهرة.
مَن مِن حقه يتحكم في مصير أسرة بالشكل ده؟
من يقرر أننا نعيش أو لا نعيش؟


يخرجوا لي بنتي وأنا اوعدهم إنها مش هتشوف مصر دي تاني ، وتعيش من غير جنسية في أي أرض من أراضي الله إذا كان يرضيهم.
بس يرجعوا لي بنتي وما يحرقوش قلبي عليها أكتر من كده.
بنادي بأعلى صوتي لإنسانيتهم مش لوظائفهم.
بناشد كل انسان، إسراء طفلة عمرها 23 سنة.. بتحب تلعب بالدعاسيق لو لقت دعسوقة في أي مكان تقف لها وتلعب معها.
إسراء اللي شافت قطط في الشارع أمهم سابتهم أو حد أبعد أمهم عنهم أخذتهم وراحت عيادة بيطرية في مكان بعيد عشان تسأل الدكتور تساعد القطط ازاي من غير أمهم. رغم إنها بتمشي بعكاز وبتحتاج حد يساعدها.
إسراء طفلة عمرها23 سنة.
رجعوا لي إسراء والله ما هسامح أي حد عرف قصة إسراء ولم يسعى في إنقاذاها من الظلمة اللي هيلفقوا لها تهم هي بريئة منها.
إسراء في رقبتكم جميعا، إسراء مش بنتي أنا بس. إسراء بنتكم وأختكم وأي حد جميل في العالم القذر ده.
حسبي الله ونعم الوكيل.
وأفوض أمري الي الله.

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان