طلعت محمد يكتب : رأيتهم يحرقون الأحياء (3-3)

في المستشفي كانت الامكانيات والأدوات الطبية قد بدأت في النفاذ وبدأنا مثلاً في خياطة الجروح بدون مخدر (البنج الطبي) و لازلت أذكر ذلك الرجل الأربعيني الذي كان الرصاص قد أحدث في ظهرة جرحاً غائراً حتى أنك تستطيع إدخال كف يدك بأكمله في جرحه وقد تم خياطة الجرح بدون البنج…بعدها بقليل تم قطع التيار الكهربي لتكتمل المعاناه.

ومع نهاية أحداث الفض حيث قد أكملوا مهمتهم بالخارج وأحرقوا وقتلوا وجرحوا جاء الدور على المستشفي الميداني وكنا بالداخل لاندري ما يحدث بالخارج…

كنت أجلس إلى جوارذلك الشاب في منتصف العشرينيات والمصاب برصاصة أدت لكسر عظم العضد ليده اليسرى ولم نستطع عمل الاسعافات اللازمة له ولم أجد إلا بضع كلمات إصبه علي ما يعانيه ويقاطعني بصوت صرخاته من شدة الألم.

فجأة أحسسنا بتحركات خارج المستشفى وكنت وقتها قريباً من باب المستشفى المواجه لمصلى السيدات بينما صوت التحركات آت من ناحية باب المستشفى المواجه للإدارة العامة للمرور فقام أحد الشباب وفتح إحدى النوافذ وأخذ يصيح في الجنود بالخارج (دي المستشفى..دي المستشفى).

فجأة اخترقت رصاصة رأسه وسقط في مكانه ثم أخذوا يكسرون الباب ودخلوا للمستشفي وكانوا يلبسون ملابس وأقنعة وجه سوداء ،وأخذوا بقتل كل من يقابلهم من أحياء و مصابين وأخذت ازحف ومن معي حتى وصلنا للباب الذي كنا بجواره وخرجنا و رأينا مجموعة من المعتصمين يخرجون -كانت هذه هي المجموعة الاخيرة.

أخذت انظر في ذهول لحجم الدمار المنبعث من كل مكان , ورأيت وقتها قيادات الاعتصام تخرج معنا وكان في من رأيت دكتور محمد البلتاجي و د.جمال حشمت و د.صلاح سلطان و د.جمال عبد الستار و د.سلامة عبد القوي وآخرين ممن كانوا يتحدثون علي المنصة الرئيسية للميدان ولا زلت اتسائل لماذا لم تقبض عليهم قوات الجيش والشرطة وقتها؟!

وكنا نمشي في مجموعات وكانت تأتي أصوات القيادات ألا يستفزكم أحد… فقد كان الجنود ينتشرون حولنا ويشهرون السلاح علينا كأننا أسرى حرب وهم المنتصرون كانت نظراتهم وهذا المشهد أقسى على النفس من مرارات كثيرة عانيناها طوال اليوم..مشهد يبين أن جيش مصر وشرطتها قد اتخذوا من بعض ابنائها عدواً يواجه كما تواجه الجيوش أعدائها

 

ما ان ابتعدنا قليلاً حتي رأيت الدخان يتصاعد من الستشفي الميداني فعلمت أنهم أحرقوها بمن فيها من جثث .. إلي أي حد وصل هؤلاء من القسوة واللاانسانية ليفعلوا ذلك ؟!


إن ما حدث في الرابع عشر من أغسطس لن يمحى من ذاكرتي ولا ذاكرة من شهده ، مهما حاولوا تزوير التاريخ و نجحوا في تشويه وعي الأمة فيبقى لنا يوم عند الله ستجتمع فيه الخصوم وما ذلك علينا ببعيد .           

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان