حتّى يكون الحجّ مبرورًا (1-2)

مناسك الحج ـ أرشيف
|
رتَّب الله تعالى أجرًا عظيمًا على الحجّ المبرور، دلَّ عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بقوله: (….والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
والحجّ المبرور: ما توسع فيه العبد بأعمال الخير، إذ تعود معاني البرّ إلى معنيين:
1- الإحسان إلى الناس وصلتهم، وضده العقوق، وفي حديث: (البر: حسن الخلق). وفي المسند عن جابر مرفوعًا: (قالوا: وما برّ الحجّ يا رسول الله؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام).
2- التّوسع في الطاعات وخصال التقوى، وضده الإثم؛ ومنه قوله تعالى: (أتأمرون النَاس بالبرّ وتنسون أنفسكم) [البقرة:44].
قال القرطبي: (الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي: أنه الحج الذي وفّيت أحكامه، ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل).
وعلى ذلك: فليس كل من حجّ البيت كان حجه مبرورًا، بل الأمر كما قال ابن عمر – رضي الله عنهما – لمجاهد حين قال: ما أكثر الحاج. قال: ما أقلّهم، ولكن قل: ما أكثر الرّكب.
ومن أجل تفاوت الناس في الحج فسنحاول في هذه السّطور ذكر أبرز الأمور التي تعين الحاج، ليكون حجه مبرورًا بإذن الله، ومن ذلك:
أولًا: الإخلاص والمتابعة:
لا صحة ولا قبول للأعمال إلا بما يلي:
1- الإخلاص لله تعالى، وإرادة وجهه وحده، قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
وقد كان – صلى الله عليه وسلم – يحذّر من ضد ذلك، فيدعو مستعينًا بربه قائلًا: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة).
2- متابعة العبد للنبي – صلى الله عليه وسلم – في جميع أعماله، قال – صلى الله عليه وسلم -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)؛ ولذا كان – صلى الله عليه وسلم – يقول في الحجّ: (لتأخذوا مناسككم، فإنّي لا أدري لعلي لا أحجّ بعد حجّتي هذه).
ولقد استوعب الصّحابة – رضي الله عنهم – ذلك الأمر، فقال الفاروق حين قبَّل الحجر: (أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله استلمك ما استلمتك، فاستلمه).
ثانيًا: الاستعداد للحج:
تهيئة العبد نفسه واستعداده للحجّ من أهم الأمور التي تعينه على أداء النسك على الوجه المشروع، وتجعل حجه مبرورًا، ولعل أبرز الجوانب التي ينبغي أن يستعد بها المرء للحج ما يلي:
1- إصلاح العبد ما بينه وبين الله تعالى بالتوبة النصوح بشروطها المعروفة.
2- الاستعانة بالله تعالى وطلب توفيقه، وإظهار الافتقار إليه، والخوف منه، والرجاء فيه، إذ إنه مع أهمية الاستعداد المادي للحج؛ إلا أنه لا يجوز للمرء الركون إلى الوسائل المادية وحده.
3- تحلل العبد من الحقوق والودائع التي لديه، وقضاء الديون أو استئذان من عُرِف عنه من أصحابها الحرص وشدة الطلب.
4- كتابة العبد لوصيته؛ إذ السّفر مظنّة تعرّض الإنسان للخطر.
5- إعداد العبد النفقة الكافية لمن يعول إلى وقت رجوعه، ووصيته لهم خيرًا، واستخلاف من يقوم بشؤونهم، وذلك حتى يكون همه متجهًا لأداء النسك.
6- اختيار الراحلة المناسبة، وانتخاب النفقة الطيبة الحلال، لأن النفقة الحرام من موانع الإجابة، فعند الطبراني مرفوعًا: (إذا خرج الرجل حاجًا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه من السماء: لبيك وسعديك؛ زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى : لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور).
ونحن الآن في زمن تفشت فيه المكاسب الحرام- إلا من رحم الله-، وكثرت فيه الأموال المشبوهة، فليتق كلُ عبد ربه، وليتذكر قوله – صلى الله عليه و سلم-: (إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا).
ويستحب للعبد الإكثار من التزود بالنفقة الحلال على وجه يمكنه معه من التوسع في الزاد دون الحاجة إلى الناس، والرفق بالضعفاء.
7- اختيار الرفقة الصالحة التي تعينه إذا ضعف، وتذكره إذا نسي، وتعلمه إذا جهل، وتأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وليحذر العبد من صحبة صنفين:
( أ ) الصحبة الفاسدة التي تقود إلى المعصية، وتعين على الباطل.
( ب ) صحبة الباطلين الذين يقضون أوقاتهم فيما لا يعود عليهم بالنفع في الآخرة.
8- التفقه في أحكام النسك وآدابه، وتعرف أحكام السّفر، من حيث: القصر، والجمع، والتيمم، والمسح على الخفين….إلخ؛ قال – صلى الله عليه وسلم-: (من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدّين).
ومما يعين العبد على ذلك: التزود بما يحتاج إليه من كتب أهل العلم، ومصاحبة أهل العلم بالمناسك، وأهل المعرفة بأماكن الشعائر وأوقاتها.
ثالثًا: استشعار حقيقة الحجّ وغاياته:
إدراك العبد لحقيقة الحج، والحِكم والأسرار التي شرعت الشعائر من أجلها يهيئه ليكون حجه مبرورًا؛ إذ القيام بذلك بمثابة الخشوع في الصلاة؛ فمن كان فيها أكثر خشوعًا كانت صلاته أكثر قبولًا، وكذلك الحج: كلما استوعب المرء حقيقة الحج وروحه، والحكم والغايات التي شرع من أجلها، واتخذ ذلك وسيلة لتصحيح عقيدته وسلوكه؛ كان حجّه أكثر قبولًا وأجرًا واستفادة، ولن يتمكن أحد من ذلك ما لم يقم بتهيئة نفسه، ويستغرق في التأمل والبحث عن أسرار الحجّ وحكمه، أما من لم يكن كذلك، فيخشى أن يكون عمله مزيجًا من السّياحة والمتاعب لا غير.
ولعل من أبرز الحِكم والغايات التي ينبغي أن يستشعرها الحاج ما يلي:
1- تحقيق التقوى:
الغاية من الحج تحقيق التقوى، ولذا: نجد ارتباط التقوى بالحج في آيات الحج بشكل واضح وجليّ، قال تعالى: (وأتمّوا الحج والعمرة لله…..واتقوا الله..) [البقرة:196]، (وتزودوا فإنّ خير الزّاد التقوى..) [البقرة: 197].
2- تأصيل قضية التوحيد في النّفوس وتأكيدها:
يرتكز الحجّ على تجريد النية لله تعالى، وإرادته بالعمل دون سواه، قال تعالى: (وأتمّوا الحجّ والعمرة لله) [البقرة: 196]، وقال – عزّ وجلّ – في أثناء آيات الحجّ: (فاجتنبوا الرّجس من الأوثان واجتنبوا قول الزّور، حنفاء لله غير مشركين به..) [الحجّ: 30، 31]
وفي التّلبية – وهي من شعائر الحجّ – جاء إفراد الله بالنّسك صريحًا: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، كما أن الحجّ يرتكز على توحيد المتابعة للرّسول – صلّى الله عليه وسلم- وعدم الوقوع في شرك الطّاعة، إذ لا مجال للتنسك في الشّعيرة بالأهواء والعوائد، بل لا بد من التَّأسي به – صلّى الله عليه وسلم – والأخذ عنه.
3- تعظيم شعائر الله وحرماته:
من أبرز غايات الحجّ وحكمه تربية العبد على استحسان شعائر الله وحرماته، وإجلالها، ومحبتها، والتحرّج من المساس بها، أو هتكها، قال الله تعالى في آيات الحج: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب) [الحج: 32].
4- التربية على الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة، ومن ذلك:
( أ ) العفّة: قال الله تعالى: (الحجّ أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحجّ فلا رفث..) [البقرة: 197] والرّفث: هو الجماع، ودواعيه من القول والفعل.
( ب ) كظم الغيظ، وترك الجدال والمخاصمة: قال الله – عز وجل – : (ولا جدال في الحجّ) [البقرة: 197]، قال عطاء: (والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك)، والأظهر أن المراد بنفي الجدال في الآية: نفي جنس مراد به المبالغة في النهي عن الجدال المذموم فقط، وهو النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية.
( ت ) الرّفق واللّين والسّكينة: قال – صلّى الله عليه وسلم – عندما سمع زجرًا شديدًا، وضربًا وصوتًا للإبل في الدّفع من مزدلفة: ” أيها الناس: عليكم بالسّكينة؛ فإن البرّ ليس بالإيضاع “، يعني: الإسراع.
( ج ) إنكار الذّات والاندماج في الجماعة، حيث ينكر العبد ذاته ويتجرد عمّا يستطيع أن يخص نفسه به، ويندمج مع إخوانه الحجيج في اللباس والهُتاف والتنقل والعمل.
( د ) التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جليًا في الفدية الواجبة على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام عمدًا، وعلى من أخطأ الوقوف في عرفات، أو دفع إلى مزدلفة قبل غروب الشمس…الخ.
( هـ ) التربية على التواضع: ويظهر ذلك جليًا في الوحدة بين جميع الحجيج في الشعائر والمشاعر، وإلغاء أثر الفوارق المادية بينهم من لغة ودم ومال…الخ، وقد كان من خطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع: (يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).
( و ) التربية على الصبر بأنواعه حيث يلجم العبد نفسه عن الشهوات بترك محظورات الإحرام، ويمنعها عن بعض المباحات في غير الإحرام، ويعرضها للضنك والتعب في سبيل امتثال أوامر الله، بأداء النسك وإتمامها؛ فيكون ذلك دافعاً إلى ترك المعاصي، وامتثال الطاعات، وتحمل الأذى في سبيل ذلك بعد الحج.
( ي ) البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمّل العبد لنفقات الحجّ.
يُتبع..