شاهد: رحلة الحج في “ميمية” ابن القيم

كثيراً ما أنشد الشعراء في وصف رحلة الحج، تلك الرحلة الروحانية إلى بيت الله الحرام، فمنهم من أفاض ومنهم من اختصر.
ومن بين القصائد التي فصّلت رحلة الحج وأفاضت في وصفها أبيات من ميمية ابن القيم الجوزيه –رحمه الله متوفى عام 751هـ – وصف فيها مناسك الحج من الطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات، والحنين والشوق لتلك الأماكن المقدسة.
وأنشد يوسف الجابري بعض تلك الأبيات من ألحان ناصر النطار، وسرد ابن القيم في أبياته رحلة الحج بشكل روحاني رائع ومشوق للغاية وفيها يقول:
إفاضة الحجيج
أما والذي حج المحبون بيته *** ولبوا له عند المهل وأحرموا
وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعا *** لعزة من تعنوا الوجوه وتُسلمُ
يهلون بالبيداء: لبيك ربنا *** لك الحمد والملك الذي أنت تعلم
دعاهم فلبوا رضا ومحبة *** فلما دعوه كان أقرب منهم
تراهم على الأنضاء شعثا رؤوسهم *** وغبرا وهم فيها أسر وأنعم
وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة *** ولم يثنهم لذاتهم والتنعم
يسيرون في أقطارها و فجاجها *** رجالا وركبانا ولله أسلموا
رؤية البيت العتيق
ولما رأت أبصارهم بيته الذي *** قلوب الورى شوقا إليه تضرم
كأنهم لم ينصبوا قط قبله *** لأن شقاهم قد ترحل عنهم
فلله كم من عبرة مهراقة *** وأخر على آثارها لاتقدم
وقد شرقت عين المحب بدمعها *** فينظر من بين الدموع ويسجم
إلى عرفات
وراحوا إلى التعريف يرجون رحمة *** ومغفرة ممن يجود ويكرم
فلله ذلك الموقف الأعظم الذي *** كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم
ويدنوا الجبار جل جلاله *** يباهي بهم أملاكه فهو أكرم
يقول : عبادي قد أتوني محبة *** وإني بهم بر أجود وأكرم
فأشهدكم أني قد غفرت ذنوبهم *** وأعطيتهم ما أملوه وأنعم
فبشراكم يأهل ذا الموقف الذى *** به يغفر الذنوب ويرحم
فكم من عتيق فيه كمل عتقه *** وآخر يستسعى وربك أكرم
ذلة الشيطان
وما رؤى الشيطان أغيظ في الورى *** واحقر منه عندها وهو ألأم
وذاك لأمر قد رآه فغاظه *** فأقبل يحثوا الترب غيظا ويلطم
لما عينت عيناه في رحمة أتت *** ومغفرة من عند ذي العرش تقسم
بنى ما بنى حتى ظن أنه *** تمكن من بنيانه فهو محكم
أتى الله بنيانا له من أساسه *** فخر عليه ساقطا يتهدم
وكم قدر ما يعلوا البناء وينتهي *** إذا كان يبنيه وذو العرش يهدم
إلى مزدلفة
وراحوا إلى جَمْع فباتوا بمشعر الحرام *** وصلوا الفجر تم تقدموا
إلى الجمرة الكبرى يريدون رميها *** لوقت صلاة العيد تم تيمموا
منازلهم للنحر يبغون فضله *** وإحياء نسك من أبيهم يعظم
فلو كان يرضي الله نحر نفوسهم *** لجادوا بها طوعا وللأمر سلموا
كما بذلوا عند الجهاد نحورهم *** لأعدائه حتى جرى منهم الدم
ولكنهم دانوا بوضع رؤوسهم *** وذلك ذلك للعبيد ومِيسم
إلى طواف الإفاضة
ولما تقضّوا ذلك التفث الذي *** عليهم وأوفوا نذرهم ثم تمموا
دعاهم إلى البيت العتيق زيارة *** فيا مرحبا بالزائرين وأكرم
فلله ما أبهى زيارتهم له *** وقد حصلت تلك الجوائز تقسم
ولله أفضال هناك ونعمة *** وبر وإحسان وجود ومرحم
عودة إلى منى
وعادوا إلى تلك المنازل من منى *** ونالوا مناهم عندها وتنعموا
أقاموا بها يوما ويوما وثالثا *** وإذن فيهم بالرحيل وأُعلموا
وراحوا إلى رمي الجمار عشية *** شعارهم التكبير والله معْهم
ولو أبصرت عيناك موقفهم بها *** وقد بسطوا تلك الأكفُ ليرحموا
ينادونه يا ربِ يا ربِ إننا *** عبيدك لا نرجوا سواك وتعلم
وها نحن نرجو منك ما أنت أهله *** فأنت الذي تعطي الجزيل وترحم
إلى طواف الوداع
ولما تقضّوا من منى كل حاجة *** وسالت بهم تلك البطاح تقدموا
إلى الكعبة البيت الحرام عشية *** وطافوا بها سبعا وصلوا وسلموا
ولما دنا التوديع منهم وأيقنوا *** بأن التداني حبله متصرم
ولم يبق إلا وقفة لمودع *** فلله أجفان هناك تسجَّم
فلم تر إلا باهتا متحيرا *** وآخر يبدي شجوه يترنم
رحلت وأشواقي إليكم مقيمة *** ونار الأسى مني تشب وتضرم
أودعكم والشوق يثني أعنتي *** إليكم وقلبي في حماكم مخيم
هنالك لا تثريب يوما على امرئ *** إذا ما بدا منه الذي كان يكتم