84 عاماً على رحيل “أسد الصحراء”

“نحن لا نستسلم .. ننتصر أو نموت .. وهذه ليست النهاية .. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه .. سوف تأتي أجيال من بعدي تُقاتلكم .. أما أنا فحياتي سوف تكون أطول من حياة شانقي…

كلمات موجهة لكل ظالم في كل زمان ومكان .. تلك هي آخر كلمات نطق بها أسد الصحراء وشيخ المجاهدين، الثائر والقائد الفذ “عمر المختار”  قبل أن يلقى ربه في مثل هذا الشهر (سبتمبر) قبل 84 عام …

عمر المختار .. أمير الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، والملقب بأسد الصحراء، ينتمي إلى قبيلة “مِنفة” التي تتنقل في بادية برقة، وتلقى علومه الأولية والدينية في الزوايا السنوسية في صحراء “جغبوب” وأنضم كعادة أهل ليبيا إلى الحركة السنوسية، وهي حركة صوفية شديدة الشبه بالدعوة السلفية.

وقد لمح فيه زعيم الحركة محمد المهدي الإدريسي نبوغًا وتقدمًا فجعله شيخًا على زاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج، واصطحبه معه في رحلته إلى السودان وهناك سلمه مشيخة زاوية “كلك” حتى سنة 1321هـ، حيث رجع إلى برقة مرة أخرى.
كان أول بروز لعمر المختار في ساحة الجهاد سنة 1329هـ عندما احتل الطليان بنغازي، إذ أبدى صنوفًا من الشجاعة والبطولة في جهاد الأعداء ولفت إليه أنظار الناس هناك، وأصبح هو قائد المجاهدين في إقليم برقة بعد انسحاب العثمانيين منها بضغط من أوروبا.

كذلك انسحب المتطوعون من مصر وغيرها بضغط من إنجلترا، وقد جعل عمر المختار مدينة “سحات” في الجبل الأخضر مقرًا لقيادته، ومنها حقق عدة انتصارات على الأعداء، مما جعلهم يفكرون في هجوم شامل على الجبل الأخضر ولكنهم هزموا شر هزيمة كما هزموا عند محاولتهم احتلال “فزّان”.

حدثت تغييرات سياسية في نظام الحكم في إيطاليا، وجاء الحكم الفاشي بقيادة “موسوليني” الذي عيّن حاكمًا جديدًا على ليبيا هو “بونجيوفاني” ووضع تحت تصرفه جيشًا ضخمًا يقوده جزار إيطاليا «جرازياني» يعاونه اللواء «بادوليو» الذي أحب أن يتفاوض مع القائد عمر المختار ليتعرف على معنوياته وطريقة تفكيره وأجرى مفاوضة معه ونجح عمر المختار.

 كان محمد إدريس السنوسي قد اضطر لترك ليبيا والالتجاء إلى مصر، فأصبح عمر المختار هو الأسد الوحيد الباقي في الميدان، وبقي عمر المختار يجاهد ويقاتل على الرغم من سنوات عمره التي جاوزت السبعين.

ودارت معركة غير متكافئة، استشهد خلالها معظم فرسانه، وسقط هو مثخنًا بالجراح وقد قتل جواده، وأخذ أسيرًا ولم يكونوا قد عرفوه، فلما تعرفوا عليه، نقلوه بسرعة إلى “سوسة” ومنها أركب الطراد “أوسيني” ، ثم حوكم محاكمة صورية، فوقف أثناءها كالطود العظيم وأجاب بمنتهى الشجاعة، وأخذ على نفسه مسؤولية كل ما حدث من أعمال الجهاد.

فقررت المحكمة إعدامه على الرغم من أن عمره يزيد عن 75 عام، وأعدم البطل رحمه الله شنقًا في سبتمبر 1931م بمركز “سلوق” في بنغازي وأجبر الأهالي على مشاهدة إعدامه.

وقد انتفضت قلوب الناس وثاروا ثورة عارمة، جعلت الاحتلال يخشى عاقبة ذلك، فدفنوه سرًا، وأخفوا معالم القبر.

رثاه عدد من الشعراء، وظهرت شخصيَّته في فيلم بعنوان “أسد الصحراء”، وفيه جسَّد الممثل المكسيكي – الأمريكي أنطوني كوين دور عمر المختار.

أعدموه .. ولكن بقي ذكره وأثره في العالمين، معلمًا من معالم الجهاد والبطولة في الأمة العربية والإسلامية.

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان