التشريعات الاقتصادية في مصر ومخاوف تقنين الفساد (2)

على الرغم من أن المعروف دستوريا وقانونيا أن السلطة التشريعية صاحبة الحق الأصيل في إصدار التشريعات، إلا في حالات الضرورة القصوى، فقد بلغ عدد القرارات الجمهورية بقوانين التي صدرت من رئيس الجمهورية في غيبة البرلمان بعد عام 1971حتى نهاية عام 2010 -أي خلال 40 عاما- عدد 88 قرارا جمهوريا بقانون، منها 61 قرارا في عهد الرئيس السادات، و27 قرارا في عهد الرئيس مبارك، وبمتوسط قرارين كل عام، بينما بلغ عدد القرارات الجمهورية بقوانين التي صدرت في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور والرئيس السيسي عدد331 قرارا بقانون، وبمتوسط 150 قرارا بقانون كل عام.
التشريعات الاقتصادية
وبينما تتعدد مجالات القرارات الجمهورية بقوانين التي أصدرها منصور والسيسي، تأتي القوانين الاقتصادية في مقدمة التشريعات المهمة والخطيرة من حيث تأثيراتها الحالية والمستقبلية على الوضع الاقتصادي لمصر والحالة المعيشية للمصريين، ومؤشرات الشفافية والفساد في مصر؛ حيث عمد الانقلاب العسكري منذ قيامه على إصدار العديد من التشريعات الاقتصادية التي تقنن للفساد وتهدر ثروات البلاد بحسب محللين.
ففي يوليو/تموز 2015 أصدر السيسي قرار بقانون تنظيم الكهرباء رقم 87 لسنة 2015، الذي حصر دور الدولة في جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك كهيئة عامة مستقلة عن أطراف مرفق الكهرباء، تكون لها الشخصية الاعتبارية. وأشار القانون إلى أن الجهاز يهدف إلي تنظيم ومراقبة ومتابعة وتطوير كل ما يتعلق بنشاط الكهرباء إنتاجا ونقلا وتوزيعا واستهلاكا، وإلى جذب وتشجيع الاستثمار في هذا المجال في إطار المنافسة الحرة المشروعة.
وهذا يعني، بحسب تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية للبرلمان المصري في الخارج (الذي تم حله بعد انقلاب 3 يوليو 2013) رفع يد الدولة عن الإدارة المباشرة لقطاع الكهرباء ، وفتح الباب على مصراعيه لخصخصته، ومن ثم مزيدا من بيع المواطنين للمستثمرين.
وفي هذا الإطار أيضا وتأكيدا لتلك السياسة أصدر السيسي قرارا بقانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 102 لسنة 1986، بإنشاء هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمُتجددة بهدف تمكين الهيئة – بعد موافقة وزير الكهرباء والطاقة المتجددة– من إنشاء شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين لجذب المستثمرين للدخول مع الهيئة في مشروعات مشتركة لتشجيع إنتاج وبيع الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة .
ونحو مزيد من عسكرة الاقتصاد ومزاحمة القطاع الخاص التي باتت عنوان المرحلة بامتياز-بحسب محللين- أصدر السيسي في شهر يوليو 2015 قرارا بقانون يُجيز لوزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة التابعة لهما والمخابرات العامة تأسيس شركات حراسة المنشآت ونقل الأموال. وهو الأمر الذي يخرج الجيش والشرطة عن مهامهما الرئيسة من دفاع وأمن إلى عالم القطاع الخاص وتقديم تلك الخدمات بهدف الربحية، وهو ما ينذر بتحويل الجيش والشرطة إلى وحدات من المرتزقة -بحسب خبراء- تحت اسم شركات الحراسة الخاصة.
منطقة القناة
وفي الشهر نفسه –أيضا- أصدر السيسي قرارا بقانون يمنح هيئة قناة السويس سلطة تأسيس شركات مساهمة، بمفردها ويسري على هذا شركات قانون الشركات المساهمة، وشركات التوصية بالأسهم، والشركات ذات المسؤولية المحدودة وذلك بما ? يتعارض مع طبيعتها، ويكون للجمعيات العمومية للشركات إصدار اللوائح المالية والإدارية للعاملين بها بعد موافقة مجلس إدارة هيئة قناة السويس دون التقيد بأحكام قانون نظام العاملين بالقطاع العام، وذلك دون الإخلال بأي مزايا يتمتع بها العاملون بهذه الشركات، ويجوز تداول أسهم هذه الشركات بمجرد تأسيسها بعد موافقة مجلس الوزراء. وبذلك فتح هذا القانون الباب لبيع منطقة القناة للأجانب من خلال تداول أسهم تلك الشركات وشراء الأجانب لها.
الجيش وتأسيس الشركات
بل وصل الأمر إلى السماح للقوات المسلحة بتأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي، وهو الأمر الذي يخرج القوات المسلحة عن دورها في حماية الحدود ويطرد ما تبقي من القطاع الخاص بل ويحل محل قطاع الأعمال العام. فقد أصدر السيسي في ديسمبر/كانون الأول 2015 قرارا بقانون رقم 446 لسنة 2015، بأن يتولى جهاز القوات المسلحة تجهيز مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تنمية موارد جهاز القوات المسلحة، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.
وإذا كان المشير طنطاوي إبان رئاسته للمجلس العسكري حرص على حماية قادة الجيش من خلال تعديل قانون القضاء العسكري في مايو/آيار 2011، بإضافة مادّة تعطي للنيابة والقضاة العسكريين وحدهم الحق في التحقيق في الكسب غير المشروع لضباط الجيش، حتى لو بدأ التحقيق بعد تقاعد الضابط وتحوله للحياة المدنية، فإن السيسي فتح الباب علي مصراعيه من خلال القرار بقانون رقم 97 لسنة 2015 في أغسطس/آب 2015م بتعديل بعض أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع والذي أتاح التصالح مع المتهمين بالفساد برد ما تحصلوا عليه من كسب غير مشروع، في أية صورة كان عليها في مرحلة التحقيق، مع انقضاء الدعوى الجنائية والتدابير التحفظية الناشئة عن أمر المنع.
امتيازات
ووصف المحلل الاقتصادي د. أشرف دوابة أن الامتيازات الممنوحة لأعمدة الانقلاب في الجيش والشرطة والقضاء لم تقتصر على ذلك، بل امتدت القرارات بقوانين لزيادة مرتباتهم ومعاشاتهم ، بل والإعفاء الضريبي حيث أصدر السيسي في شهر أغسطس/آب 2014م قرارا بقانون بتعديل قانون الضريبة العقارية، وبمقتضاه أعفي من الضريبة أندية وفنادق القوات المسلحة، ودور الأسلحة والمجمعات والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية والعقارات المبنية في نطاقها، وغيرها من الوحدات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص، واستثنائها من الخضوع لأعمال لجان الحصر والتقدير باسم مقتضيات شئون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي رغم اعتراض قسم التشريع بمجلس الدولة على ذلك. وبمقتضي ذلك أصدر صدقي صبحي وزير الدفاع والإنتاج الحربي القرار رقم 68 لسنة 2015، في 3 يونيو/حزيران 2015م بإعفاء 574 منشأة للجيش من الضريبة العقارية منها عدد 52 ناديا، و29 فندقا، و18 مصيفا، و8 دور سينما ومسرح، وعدد من دور القوات المسلحة، والساحات وفروع السوبر ماركت والمجازر الآلية، وكذلك العمارات والشقق والفيلات.
كما تم استثناء سبع هيئات تابعة للقوات المسلحة والشرطة -رغم نشاطها المدني والربحي- من الالتزام بقانون ربط الموازنة الذى أصدره السيسي في مطلع يوليو 2015م الذي يفرض عليها توريد نسبة 25% من فوائضها المُرحلة لصالح الموازنة العامة، حيث صدر قرار رئيس الوزراء في الأول من أكتوبر/تشرين أول 2015 باستثناء جهاز الخدمات العامة بوزارة الدفاع، وصندوق مشروعات الأراضي بوزارة الداخلية، وصندوق تمويل المتاحف العسكرية، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وصندوق إسكان أفراد القوات المسلحة، وجهاز الصناعات والخدمات البحرية.
وهكذا يزداد باضطراد حجم الاقتصاد الذي تسيطر عليه المؤسسة العسكرية، دون رقابة من أي جهة، وبعيدا عن موارد الموازنة العامة للدولة، مما يعمق جراح الاقتصاد المصري النازف.