أثر أزمة أسعار البترول على الاقتصاد المصري

تدرس الحكومة المصرية تأثير انخفاض أسعار البترول على تدفقات الاستثمارات الأجنبية للشركات العاملة في مجال البحث والاستكشاف بمصر، وقالت إنه رغم استفادة مصر من انخفاض أسعار النفط، وتقليص موازنة دعم المنتجات البترولية لـتبلغ نحو 53 مليار دولار، إلا أن هناك تأثيرات سلبية تهدد عمليات استخراج الغاز والزيت الخام، من حيث عدم قدرة الشركات على الإنفاق في ظل تدني التكلفة، وعدم الحصول على العائد المناسب.

وقال طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية، خلال الجمعية العامة للشركة القابضة للغازات (إيغاس): إن هناك تحديات تواجه صناعة الغاز حاليًا، والتي تتمثل في استمرار انخفاض الأسعار العالمية للبترول، وتأثيرها على تدفق الاستثمارات في مجال البحث والاستكشاف والتنمية.

تأثيرات سلبية

وتوقعت دراسة للخبير المصرفي أحمد آدم، نشرت الجمعة الماضية، انخفاض حجم صادرات مصر للدول النفطية وخصوصاً العربية، حيث بلغت الصادرات خلال العام المالي الماضي 5.6 مليار دولار، وهو ما سيؤثر سلباً على حصيلة العملات الأجنبية بالبنوك، كما أن القطاعات المصدرة للدول العربية النفطية ستتأثر سلبًا, إضافة إلى تأثر الاستثمارات المباشرة القادمة من الدول العربية النفطية.

ولفتت الدراسة إلى التأثير السلبى لانخفاض أسعار النفط على تحويلات المصريين العاملين بالخارج وعلى أوضاعهم الوظيفية بالدول العربية النفطية مشيرة إلى أن استمرار التراجع في أسعار النفط قد تضطر معه دول عربية نفطية لاتخاذ إجراءات تقشفية، تؤثر سلباً على أوضاع العمالة بهذه الدول وبالتبعية على حجم تحويلاتهم التي تمثل ثاني أهم موارد النقد الأجنبي بعد الصادرات، كما سيكون لها تأثير سلبي على السياحة الوافدة من الدول العربية النفطية.

وعلى الرغم من أن مصر أدرجت ضمن الدول المصدرة للبترول منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي؛ إلا أنها لم تحظ بعضوية منظمة الأقطار المصدرة للبترول “أوبك” بحكم صغر الحصة التصديرية لمصر، وعدم امتلاكها لكميات كبيرة لا من حيث الإنتاج أو التصدير.

وظلت عوائد الصادرات البترولية  لمصر واحدة من أهم أربعة مصادر للنقد الأجنبي حتى عام 2008، حيث اتخذت في هذا العام حكومة أحمد نظيف قرارات تخص رفع الدعم الخاص بالصناعات كثيفة استخدام الطاقة على مدار أربع سنوات؛ إلا أن وقوع الأزمة المالية العالمية، حال دون دخول هذه القرارات حيز التنفيذ.

وظلت عوائد الصادرات البترولية تستخدم في تغطية احتياجات الموازنة العامة للدولة، وهي احتياجات استهلاكية منذ تطبيق مصر لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 1991-1992.

ورأى الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أنه لم يحسن استخدام عوائد الصادرات البترولية، مع موارد أخرى مثل تحويلات العاملين بالخارج أو عوائد المرور بقناة السويس أو السياحة، في مشروعات إنتاجية، أو حتى تغير خريطة التعاقدات البترولية الخاصة بالبحث والتنقيب أو استخراج البترول، أو الدخول في مرحلة متقدمة من تكرير المنتجات البترولية، وبخاصة أن مصر تمتلك المقومات الفنية اللازمة لذلك، وظلت مصر تصدر خام البترول، وتستورد مكانه مشتقات بترولية، وأن ما لديها من معامل تكرير للبترول، ظلت على حالها دون تطوير، أو حتى الاستفادة منها في القيام بتكرير البترول المستورد، لانخفاض أسعار الخام المستورد مقارنة باستيراد المشتقات البترولية.

عجز الميزان البترولي

البيانات المنشورة على موقع وزارة المالية -عبر التقرير المالي الشهري لنوفمبر/تشرين الثاني 2015- توضح تطور الميزان التجاري البترولي (الصادرات والواردات البترولية) خلال الفترة من 2008/2009 – 2014/2015.

ويتبين منها أن أفضل السنوات في الميزان البترولي لمصر، خلال فترة المقارنة، هي عام 2009/2010، حيث بلغ الفائض 5.1 مليارات دولار، ويعود هذا الأمر إلى بدء تعافي أسعار البترول في السوق الدولية، بعد الأزمة المالية العالمية التي وقعت نهاية عام 2008. مما أدى إلى تحسن عوائد صادرات البترول لمصر.

بعد هذا العام بدأت المشكلة تظهر في الاقتصاد المصري، حيث زادت متطلبات التنمية وحاجة المشروعات الإنتاجية والخدمية للطاقة، فانخفض الفائض بالميزان البترولي إلى 2.6 مليار دولار في 2010/2011.

ومع تزايد استهلاك الطاقة بمصر في الفترة 2010/2011 – 2014/2015، حقق الميزان البترولي عجزًا، باستثناء العام المالي 2012/2013، على الرغم من القلاقل السياسية، التي صاحبت وجود الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، بحسب الصاوي.

ورغم أن معدلات الاستهلاك في قطاع المنازل والقطاع التجاري قد شهدت أزمة في توفير الوقود في هذا العام؛ إلا أنه تم توفير الوقود للصناعة، وظهر ذلك بشكل إيجابي في زيادة الصادرات، كما توجهت الدولة في هذا العام نحو التفكير والبحث عن بدائل البترول من المصادر الأخرى، كما تم البحث في طرق توفير استهلاك الطاقة، وتوظيف الغاز الطبيعي كبديل أرخص وأفضل بيئيًا، حتى ولو تم تدبيره من خلال الاستيراد.

ولكن يلاحظ أنه على الرغم من حصول مصر على دعم بترولي في عام 2013/2014، من دول خليجية دعمت النظام ما بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، يقدر بنحو 8 مليارات دولار، إلا أن نتائج الميزان البترولي لهذا العام تظهر وجود عجز بنحو 800 مليون دولار، أي أن العجز البترولي كان مرشحًا للزيادة بقيمة الدعم الخليجي.

أما في عام 2014/2015، والذي أظهرت بيانات وزارة المالية أن الأرقام الخاصة به أرقام مبدئية، إلا أن المتاح من تلك الأرقام يظهر بلوغ العجز البترولي لمصر بحدود 4.2 مليار دولار، وذلك على الرغم من انخفاض أسعار البترول في السوق العالمية بشكل وصل لحوالي 60%، وفي نفس الوقت نفذت الحكومة منذ بداية يوليو 2014 برنامجًا لتقليص الدعم بالموازنة العامة، وبخاصة ما يتعلق بالوقود والمواد البترولية، لينخفض دعم الوقود في هذا العام بنحو 50 مليار جنيه مصري.

استشراف أزمة البترول في مصر

ورأى الخبير الاقتصادي الصاوي أن البيانات الخاصة بالعجز البترولي في مصر، تظهر أن السياسات التي اتبعت ولا تزال فيما يتعلق بالبترول والغاز الطبيعي بمصر، سياسات خاطئة، وأنها لم تدرك منذ بداية الألفية الثالثة، ما يواجه مصر من تحديات تتعلق بالتنمية، وزيادة الاستهلاك من المواد البترولية بنحو 3%، كما تأخرت مصر كثيرًا في تبني برامج حقيقية لاستخدامات الطاقة البديلة.

ولا تختلف حكومات ما بعد الانقلاب –بحسب الصاوي-عن سابقتها من حكومات مبارك، فأبعاد معالجة الأزمة تدور في فلك الأزمة المالية الناتجة عن احتياجات مصر البترولية، وليس عن متطلبات التنمية، فتم التفريط في حقل غاز طبيعي في شمال مصر لصالح شركة بريطانية، كما تم توقيع اتفاقية مع كل من قبرص وإسرائيل تستبعد مصر من المشاركة في حقل كبير للغاز الطبيعي في منطقة البحر المتوسط.

وتتجه مصر الآن لاستيراد الغاز الطبيعي، من إسرائيل، بينما تفتقد للبنية الأساسية بشكل واضح لاستيراد الغاز الطبيعي، مما اضطرها لتأجير مراكب تحويل الغاز المسال المستورد، ولم يتم التفكير في تأهيل الموانئ المصرية بالبنية الأساسية اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعي في الأجل الطويل.

وتبقى مصر أسيرة الديون المتعلقة بأزمة البترول، حيث نُشر مؤخرًا، ارتفاع الديون المستحقة للشركات الأجنبية العاملة في مجال البترول في مصر لنحو 3 مليارات دولار.

وستظل هذه المديونية سيفا مسلطا على رقبة مصر-بحسب الصاوي- بسبب طبيعة عقود الإنتاج التي تتيح للشركات الأجنبية حصة تتراوح ما بين 40% – 60%، بل قد وصل الأمر إلى التنازل عن كامل حصة مصر من الغاز الطبيعي لصالح الشركة البريطانية في الحقل الواقع شمال مصر، نظير أن تشتري مصر كامل إنتاج الحقل بسعر يقل عن السعر العالمي بحوالي 2 دولار للمليون وحدة حرارية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان