في ظل المخاطر الأمنية.. آفاق قاتمة للسياحة المصرية


جاء إعلان رابطة مستثمري شرم الشيخ، أن انهيار السياحة وتدفق السائحين يتفاقم يوماً بعد يوم، وأن فنادق المدينة تغلق تباعاً واحدة تلو الأخرى، عقب إغلاق 105 فنادق بدرجات مختلفة لأبوابها في مطلع العام الجاري 2016، في ظل امتناع السياح عن الحضور للمدينة وتخبط قرارات مسئولي الانقلاب واستمرار أزمة الطائرة الروسية، جاء ليؤكد التكهنات السابقة بانزلاق قطاع السياحة المصري نحو آفاق قاتمة في ظل المخاطر الأمنية في مصر حاليا.
وقال إلهامي الزيات رئيس الغرف السياحية، في تصريحات صحفية أول أمس الثلاثاء: إن أعدادا كبيرة من فنادق الغردقة وشرم الشيخ تتخطى الـ 20 فندقا أبلغتهم رسميا بقرار إغلاقها؛ لعدم وجود حركة سياحية وافدة حتى الآن، وأوضح أن نسبة الإشغال في شرم الشيخ والغردقة لا تتخطى الـ10 % منذ حادث الطائرة الروسية، وإن هذا قد شكل عبئا على الفنادق بعد إعلان عدد من الدول حظر السفر إلى مصر.
آمال متبددة
وقديما قال الحكماء تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، هذا القول المأثور يعكس حقيقة قطاع السياحة المصري، الذي يلعب أدوارا مهمة للاقتصاد بما في ذلك المساهمة بنحو 11% من إجمالي الناتج المحلي.
ففي أبريل/نيسان 2015، قال وزير السياحة المصري السابق خالد رامي إن بلاده تستهدف زيادة إيرادات السياحة إلى 26 مليار دولار في عام 2020، مقابل 7.3 مليارات دولار في 2014 ، وإلى نحو 9.5 مليارات دولار خلال عام 2015.
وأضاف رامي أن مصر تستهدف زيادة عدد الليالي السياحية من 97 مليونا في 2014 إلى 260 مليون ليلة في 2020, ورفع زيادة إنفاق السائح في اليوم إلى 100 دولار بدلا من 77 دولارا، وجذب نحو 20 مليون سائح بحلول 2020.
وكان وزير السياحة المصري الحالي هشام زعزوع قد أعرب عن أمله في نهاية سبتمبر/ أيلول 2015، أن يتعافى قطاع السياحة في بلاده , ويجذب نحو 10 ملايين سائح بنهاية عام 2015 وتحقيق إيرادات بين 7.5 و 8 مليارات دولار.
وكشف زعزوع أن عدد السائحين لمصر في الفترة بين يناير/ كانون ثاني – وأغسطس/ آب 2015 ، بلغ 6.6 مليون سائح مقابل 6.3 مليون سائح خلال نفس الفترة من العام 2014، بزيادة 4.9 % وبلغت الإيرادات 4.592 مليارات دولار مقارنة مع 4.509 مليارات دولار.
وتوقع الوزير المصري أن تحقق بلاده إيرادات بين 7.5 و 8 مليارات دولار بنهاية 2015 وبين 9 و10 مليارات في 2016 مع زيادة النمو في عدد السائحين لأكثر من 10%.
هكذا كانت تبدو تطلعات المسؤولين المصريين بشأن قطاع السياحة الذي يمثل أحد مصادر الدخل من النقد الاجنبي , لكن مصر كانت على موعد مهم له ما بعده من تداعيات، ربما تعجز عن تحملها بسبب ارتفاع قيمة الفاتورة في وقت تمر فيه مصر بأزمة ندرة دولارية.
كارثة الطائرة الروسية
وفي صباح يوم 31 اكتوبر/ تشرين الأول 2015، استفاقت مصر على نبأ إسقاط طائرة “متروجيت” الروسية في رحلتها رقم 9268 فوق سيناء ، ومصرع جميع الركاب وأفراد الطاقم الذين كانوا على متنها، وعددهم 224 شخصاً.
واعتبر مركز كارنيغي الأمريكي حادث إسقاط الطائرة الروسية، ضربة جديدة للمسؤولين المصريين الذين يحاولون إقناع العالم بأن مصر تنعم بالأمان وتؤمّن مناخاً مواتياً للأعمال والسياحة على السواء.
ولكون السياح الروس يشكلون ثلث السياح الوافدين لمصر، فقد تلقّى القطاع السياحي المصري ضربة قاضية بعدما فرضت الحكومة الروسية حظراً شاملاً على جميع الرحلات بين روسيا ومصر في أعقاب تحطّم الطائرة، رغم دفء العلاقات بشكل لافت للنظر بين البلدين، بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجيش ضد الرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو/ تموز 2013.
وتوقع مركز كارنيغي حدوث مزيد من التراجع في عائدات مصر مع تهاوي القطاع السياحي في أعقاب كارثة الطائرة الروسية، وأن يجري تخفيض توقعات زعزوع بشأن تحقيق إيرادات تصل إلى عشرة مليارات دولار من القطاع السياحي في العام 2016.
خسائر فادحة
وبعد مرور نحو 11 يوما على كارثة إسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء المصرية، سارع وزير السياحة هشام زعزوع إلى الإعلان أن بلاده ستخسر 2.2 مليار جنيه (281 مليون دولار) شهريا بسبب قرار بريطانيا وروسيا تعليق الرحلات الجوية إليها.
وعلقت بريطانيا الرحلات إلى مدينة شرم الشيخ المصرية بعد أربعة أيام من سقوط الطائرة الروسية .
وقال زعزوع إن السياح الروس والبريطانيين يشكلون ثلثي حركة السياحة في شرم الشيخ بينما يمثل الروس وحدهم نصف السياح في مدينة الغردقة، على البحر الأحمر.
وفي ظل كآبة المشهد السياحي، كشف زعزوع أنه يعتزم إطلاق حملة بقيمة 5 ملايين دولار للترويج للسياحة المصرية في بريطانيا وروسيا، ومع ذلك، استبعدت روسيا إلغاء قرارها بتعليق الرحلات السياحية إلى مصر قريبا، مؤكدة أن الأمر قد يستغرق شهورا على الأقل.
وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم ، قال زعزوع إن الحكومة ستسعى إلى تعويض خسارتها من السياحة العالمية من خلال تشجيع السياحة الداخلية والخليجية وتسهيل حصول السياح القادمين من شمال أفريقيا على تأشيرات الدخول.
ورغم فداحة الخسائر التي أصيب بها قطاع السياحة المصري بعد حادث الطائرة الروسية، إلا أن الأمر ليس جديدا بالنسبة إلى مصر.
ففي فبراير/ شباط 2014، جرى تفجير حافلة سياحية في سيناء، ما أسفر عن مقتل سائحَين من كوريا الجنوبية، وفي سبتمبر/ أيلول 2015، لقي ثمانية سياح مكسيكيين مصرعهم عندما أطلق الجيش المصري النار عن طريق الخطأ على موكبهم السياحي ظناً منه أنه يقلّ “إرهابيين”.
وعلى مدار السنوات الماضية، شهدت وجهات سياحية معروفة بمصر على غرار شرم الشيخ والأقصر، هجمات عدة، كما أن سلسلة الهجمات التي وقعت في القاهرة خلال العام 2015 منها اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في يونيو/ حزيران شكّلت تحدّياً للقوى الأمنية.
تأثيرات سلبية متعددة
وفي ضوء أهمية قطاع السياحة لمصر، يؤدي التراجع فيه إلى التأثير بشكل كبير على التوظيف واحتياطي العملات الأجنبية، نظراً إلى المساهمة الكبيرة التي تقدّمها السياحة في هذين المجالين.
فواحد من أصل 8 عمّال في مصر يعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القطاع السياحي، وبما أن نسبة البطالة في مصر تتراوح عند حدود 13 % في العامَين الأخيرين، فمن شأن خسارة الوظائف المرتبطة بالقطاع السياحي أن تسدّد ضربة قوية للحكومة.
وفي السابع من كانون الأول/ديسمبر الجاري، استفاقت السلطات المصرية على ورطة أكبر عندما أعلنت شركة الطيران الروسية أنها ستطلب تعويضات من مصر.
ولكون الأرقام لا تتجمل ولا تكذب، فقد أظهرت البيانات الرسمية أن فترة تولي الرئيس محمد مرسي في العام المالي 2012/2013 هي الأفضل لقطاع السياحة خلال سنوات حيث بلغت الإيرادات 9.8 مليارات دولار، ثم تدهورت بمعدّل النصف إلى 5.1 مليارات دولار في السنة المالية 2013-2014، إبان حكم الرئيس المؤقت عدلي منصور، وهي أول سنة مالية بعد الانقلاب العسكري، و7.4 مليار دولار خلال العام المالي الأول لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.
وبينما كانت مصر تسعى إلى أن يصل الإنفاق السياحي إلى 81 دولاراً في اليوم للسائح خلال عام 2015 مقابل 74 دولارا في عام 2014، أدت سياسة البنك المركزي المصري بخفض قيمة الجنيه أمام الدولار نحو 3 مرات ليصل إلى 7.83 جنيهات بنهاية العام الماضي مقابل نحو 7.14 جنيهات في مطلع العام نفسه، إلى انخفاض إنفاق الأجانب بالدولار.