الدين العام في مصر.. مشكلة بلا حل

أعلن البنك المركزي المصري، الثلاثاء الماضي، أن إجمالي الدين العام المحلي، بلغ 2.259 تريليون جنيهاً مصرياً حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2015، مقابل 2.116 تريليون جنيهاً، في نهاية يونيو/حزيران من نفس العام، وجاء في التقرير الشهري الصادر عن البنك، أن الدين العام المحلي ارتفع بقيمة 143 مليار جنيه، في الربع الثالث من العام الماضي2015.
وأوضح البنك أن إجمالي الدين العام المحلي البالغ نحو 2.259 تريليون جنيه في نهاية سبتمبر 2015، منه 89% مستحق على الحكومة، و0.6% على الهيئات الاقتصادية العامة، و10.4% على بنك الاستثمار القومي، كما أن الدين الخارجي لمصر، بلغ 46.1 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2015، مقابل نحو 48.1 مليار دولار في يونيو من نفس العام.
وعلى الرغم من أن قضية الدين العام في مصر، تعد عََرضا لمجموعة من الأمراض المزمنة، من هشاشة الناتج المحلي، وعجز الموازنة، وخلل ميزان المدفوعات، إلا أنها لم تنل الاهتمام اللازم من قبل الحكومات المصرية المتتابعة، وبخاصة بعد الانقلاب العسكري في مصر حسبما يرى خبراء.
فسلوك الحكومة المصرية بعد يوليو 2013، كان يصب في زيادة معدلات الدين، واللعب بمقدرات السياسة النقدية لتكون في خدمة السياسة المالية، عبر خفض أسعار الفائدة على سندات وأذون الخزانة، ومن جهة أخرى، لم تسع الحكومة لأية إصلاحات مالية حقيقية في الموازنة العامة للدولة، لا في قطاع الضرائب، أو الأجور أوالمرتبات، وكل ما أعلن عنه في هذا الصدد، يعد الآن حبرا على ورق، بعد تأجيل قانون الضرائب على أعمال البورصة، وإلغاء العمل بالحد الأقصى للأجور لرجال النيابة والقضاء، وكذلك موظفي البنوك.
ولذلك ستظل قضية الدين العامة ضاغطة على الكثير من الأنشطة الاقتصادية المهمة في حياة المصريين، من ضرورة تحسين خدمات التعليم والصحة والبنية الأساسية، وبخاصة في مجال المياه الصالحة للشرب، أو الصرف الصحي الآمن.
إن فوائد الدين العام كما ترصدها موازنة العام المالي 2015/2016 تصل إلى 244 مليار جنيه، وهو ما يفوق مخصصات الأجور لنحو 6.5 مليون عامل بالحكومة، تصل مخصصات أجورهم إلى 218 مليار جنيه، كما تفوق فوائد الديون مخصصات التعليم والصحة والاستثمارات العامة (التعليم 105 مليار جنيه، الصحة 48.7 مليار جنيه، والاستثمار 75 مليار جنيه)
ومن خلال الاطلاع على الإصدارات الحكومية، وبخاصة البيان المالي للموازنة العامة للدولة لسنوات عدة، لا نجد برنامجًا للحكومة يستهدف سداد الدين العام، أو النزول به إلى ما دون نسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
إن ما يرد في مستهدفات الموازنة بتخفيض نسبة الدين العام، ليس برنامجًا يعكس التزامًا زمنيًا يمكن محاسبة الحكومة عليها، ومطالبتها بآليات التنفيذ، ولكن ما يعرض في البيان المالي للموازنة كل عام هو مجرد أماني.
إن ما تقوم به الحكومة المصرية كإجراء روتيني تجاه عملية الدين العام، وبخاصة ما يتعلق بالدين المحلي الذي يشكل النسبة الأكبر من الدين العام، هو أنها تجري ما يسمى باستهلاك الديون القديمة، من خلال إصدار سندات جديدة، لتسد الديون القديمة بجزء من الديون الجديدة، وتستمر دوامة المديونية.
ومما يؤكد ما ذهبنا إليه، أن الحكومات المصرية المتعاقبة لا تكف عن استهدافها تخفيض نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك يثبت الواقع الفعلي وجود تزايد مستمر في قيمته، وتكلفته التي أصبحت عبئا على الموازنة، وخصمًا من تحسين أداء المرافق والمؤسسات الحكومية.
إن تقديرات الدين العام -المحلي والخارجي- في يونيو 2015 – بحدود 2.5 تريليون جنيه مصري، وتشير تقديرات الموازنة العامة للعام المالي 2015/2016 إلى وصول الدين العام بنهاية يونيو 2016 إلى 2.55 تريليون جنيه، وبما يعادل نسبة 90% من الناتج المحلي الإجمالي.
الدين المحلي
وكما أشارت بيانات البنك المركزي أن رصيد الدين العام المحلي بنهاية عام 2014، أي بعد عام من الانقلاب العسكري بلغ 1.83 مليار جنيه، بزيادة قدرها نحو 300 مليار جنيه عما كان عليه في نهاية يونيو 2013، أما في يونيو 2015، فإن رصيد الدين المحلي وصل إلى 2.1 تريليون جنيه، وبذلك يكون الفارق في حجم الدين المحلي عما كان عليه في نهاية يونيو 2013، قد بلغ تريليون جنيه.
الدين الخارجي
وأظهرت بيانات البنك المركزي أن الدين الخارجي بلغ في يونيو 2013، نحو 43.2 مليار دولار، وبعد مرور عام بلغ 46 مليار دولار بنهاية يونيو 2014، أي أن الدين العام الخارجي زاد بعد مرور عام من الانقلاب بنسبة 6.4%، أما مع نهاية يونيو 2015، فوصل الدين الخارجي إلى 48 مليار دولار، وبذلك تكون نسبة زيادة الدين العام في يونيو 2015 مقارنة بما كان عليه في يونيو 2013 قد وصلت إلى 11%.
ولكن الأرقام في صورتها المطلقة كما يقولون تعكس الواقع ولا تعكس الحقائق، حيث إنه مع مساعدات خارجية قدرت من قبل الحكومة المصرية بعد الانقلاب بنحو 40 مليار دولار، وجدنا أن الدين الخارجي يزيد بنحو 4.8 مليار دولار، وهو ما يعني أن هناك أزمة تمويلية حادة في الاقتصاد المصري، وأن هناك خلل في التعاملات الخارجية لمصر مع العالم.
الأمر الثاني، هو أن هبوط قيمة الدين الخارجي في نهاية الربع الأول من عام 2015/2016، إلى 46.1 مليار دولار، لم يكن خيارًا ذاتيًا للحكومة، أو أنها تمتلك برنامجًا تستهدف فيه خفض الدين الخارجي، إذ أن نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي لا زالت في حدود آمنة، حتى بعد أن وصل إلى 46.1 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2015، إذ كانت نسبته إلى الناتج بحدود 13%.
ويرجع انخفاض قيمة الدين الخارجي بمصر خلال عام 2015 إلى سداد التزامات مصر من السندات القطرية وكذلك الودائع المستحقة لها خلال نفس العام، وبالتالي لم يكن انخفاض الدين يعود لرغبة الحكومة المصرية، وإلا لو كان ذلك هدفًا لانصرف اهتمام الحكومة إلى الدين المعضلة، وهو الدين المحلي، الذي نجد أن تصرف الحكومة تجاهه هو تجاهل كل المخاطر المترتبة على زيادته، وتقوم أسبوعيًا باقتراض يتراوح ما بين 5 – 7 مليارات دولار.
تحويل المديونيات
ولابد من الأخذ في الاعتبار أن الحكومة عمدت خلال عامي 2014 و2015 إلى تحويل مديونية الشركات الأجنبية للنفط إلى بنوك محلية وإقليمية، مما يعني أن ما تم هو مجرد تحويل للديون وليس سدادًا لها. كما اتجهت الحكومة أيضًا للحصول على قروض عبر الهيئات الاقتصادية والشركات القابضة، وهو ما تم بالنسبة للهيئة العامة لقناة السويس والتي اقترضت عبر البنوك المحلية نحو 1.5 مليار دولار، كما اقترضت الشركة القابضة للكهرباء نحو 350 مليون دولار، والهيئة العامة للبترول نحو 3.5 مليار دولار، كل ذلك تم عبر ترتيب حصول هذه الهيئات والشركة القابضة على قروض من خلال بنوك محلية وإقليمية.
ومن آفة البيانات الاقتصادية الخاصة بالمؤسسات المصرية أنها تأتي متأخرة، فبيانات سبتمبر 2015، بلا شك لن تظهر ما تم من اقتراض حوالي 3.5 مليار دولار في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2015.
ومما يؤذن يتوسع الحكومة في الدين العام، ما نشر على موقع البنك المركزي المصري بتاريخ 30 ديسمبر من وصول العجز بميزان المدفوعات عن الربع الأول من عام 2015/2016 إلى 3.7 مليار دولار.
وقد صرح في نفس التاريخ وزير التخطيط بأن مصر تفكر في مصادر متعددة للتمويل بما فيها الوصول لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما يعني الحصول على المزيد من القروض، ولكن مع أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة، يتحملها الفقراء ومحدودي الدخل.