الضرائب في مصر.. خلل وظيفي وعدالة مفقودة

يوجد تفاوت كبير في تحمل الأعباء الضريبية بين فئات المجتمع المصري

تمثل الضرائب المصدر الرئيسي والأهم لإيرادات الدولة في مصر، لتحقيق أهداف خطة التنمية، فضلا عن مهمات أخرى، منها تحقيق العدل الاجتماعي، وحماية الصناعة المحلية، من خلال تخفيض معدلات الضرائب على صناعات معينة بغية تشجيعها وحمايتها في مواجهة المنتجات الأجنبية.

وتتعدد أنواع الضرائب لتشمل الضرائب على الدخل والضرائب على المبيعات والضرائب الجمركية ، وإذا نظرنا إلى مدى إسهام كل نوع من هذه الضرائب في الموازنة العامة للدولة في مصر ومدى عدالة توزيع العبء الضريبي على فئات المجتمع ومدى كفاءة الجهاز الضريبي في تحصيلها سنجد مفارقات عديدة.

تقديرات مبالغ فيها

ثمة ملاحظة عامة على هيكل الضرائب في مصر، أن كافة التقديرات الخاصة بالعوائد الضريبية المقدرة في الموازنة العامة للدولة، مبالغ فيها، ويعكس الواقع تراجع الضرائب المتحصلة بنسب كبيرة عن تقديرات الموازنة، ويأتي هذا في إطار التوظيف السياسي، حتى لا يظهر عجز الموازنة في شكل كبير، يصيب المواطن باليأس، وإن كان هذا اليأس يتحقق في نهاية العام مع بيانات الحساب الختامي.

يدلل على النتيجة السابقة بيانات التقرير المالي الشهري لوزارة المالية المصرية، عن شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2015، حيث جاء فيه أن تقديرات الموازنة عن إجمالي الإيرادات العامة في العام المالي 2014- 2015 كانت 622 مليار جنيه، بينما المتحقق حسب بيانات الحساب الختامي بلغ 465 مليار جنيه، بتراجع قدره 157 مليار جنيه، وبنسبة تصل إلى 25.2% من المقدر.

أما ما ورد بالموازنة عن تقديرات إجمالي الإيرادات الضريبية، فكان 422 مليار جنيه، بينما المتحقق الفعلي بلغ 305 مليار جنيه، بتراجع بلغ 117 مليار جنيه، وبنسبة تصل إلى 27.7% من المقدر.

نفس الأمر في كافة بيانات الإيرادات الضريبية، ومنها أن تقديرات الضرائب على الدخل من الأرباح والمكاسب الرأسمالية، قدرت في الموازنة لنفس العام، بـ 158 مليار جنيه، بينما المتحقق فعليًا 129 مليار جنيه، بتراجع قيمته 29 مليار جنيه، وبنسبة تبلغ 18% من المقدر.

أما الضريبة العامة على مبيعات السلع والخدمات، فقدرت في نفس العام بـ 184 مليار جنيه، بينما المحصل الفعلي 122 مليار جنيه، بتراجع قيمته 62 مليار جنيه، وبنسبة تصل إلى 33.6% من المقدر.

عدالة ضريبية مفقودة

يلاحظ أيضا من خلال البيانات أن هناك تفاوتا كبيرا في تحميل الأعباء الضريبية على مختلف فئات المجتمع، بما يعكس تحيزا لصالح الأغنياء على حساب الفقراء، ويظهر ذلك بحسب الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي فيما يلي:

أن نسبة مساهمة الإيرادات الضريبية من إجمالي الإيرادات العامة، تصل إلى ما يتراوح بين 64% و65% خلال الفترة، وهو ما يعني أهمية الإيرادات الضريبية لمصر، وأن أي خلل في تلك الإيرادات يمكنه أن يحدث ارتباكا في الموازنة العامة للدولة.

أن الإيرادات الضريبية المتحصلة من رواتب العاملين تصل إلى 26.8 مليار جنيه في عام 2014- 2015، بينما الضرائب المتحصلة على عوائد قناة السويس تصل إلى 13 مليار جنيه فقط، أي أن ضرائب العاملين ضعف الضرائب المتحصلة على عوائد قناة السويس، ليس هذا فحسب، بل إن ضرائب رواتب العاملين تصل إلى نسبة 70% من إجمالي الضرائب المتحصلة من ضرائب شركات المساهمة في نفس العام، بما فيها شركات القطاع العام والخاص.

أن الزيادة في ضرائب رواتب العاملين بين عام 2009- 2010 و2014- 2015 قد بلغت نحو 15.4 مليار جنيه، وبنسبة زيادة تصل إلى 135%، بينما الضرائب المتحصلة على الشركات المساهمة (قطاع عام و خاص) بلغت الزيادة فيها في نفس فترة المقارنة بنحو 20 مليار جنيه، وبنسبة زيادة تصل إلى 108%، أي أن الفارق بين القيمة المتحصلة بين الفئتين بحدود 4.6 مليار جنيه لصالح الشركات المساهمة، ولكن من حيث النسبة فإن الزيادة بضرائب مرتبات العاملين تزيد بنحو 27% عن نسبة الزيادة في الضرائب المتحصلة من شركات المساهمة.

من الجدير بالذكر أنه توجد متأخرات ضريبية مستحقة واجبة السداد على هذه الشركات بمبلغ 60 مليار جنيه حسب تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات تم تحصيل 20 مليار منها في عام حكم الرئيس محمد مرسي والتي كان منها 7.2 مليار جنيه علي شركات ساويرس سدد منها فعليا 2 مليار جنيه تقريبا ثم أعفاه حكومة ما بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 من سداد باقي المبلغ.

تراجع الإيرادات

أنه من دلائل سوء الإدارة الاقتصادية بعد انقلاب يوليو، أن تراجعت الضرائب المتحصلة على عوائد قناة السويس لتصل إلى 13 مليار جنيه فقط في عام 2014/2015، بينما كان في العام السابق عليه، بحدود 14.3 مليار جنيه، أي أن قيمة التراجع بلغت 1.3 مليار جنيه، وبما يمثل نسبة 9%. في حين أن البيانات الخاصة بالفترة من 2009- 2010 : 2013- 2014 كانت تظهر زيادة الحصيلة الضريبية على عوائد قناة السويس.

ومن المتوقع أن تتراجع العوائد الضريبية على حصيلة المرور بقناة السويس خلال السنوات القادمة في ضوء تراجع إيرادات القناة بشكل عام، وكذلك زيادة التزاماتها في ضوء أعباء ديون تمويل مشروع توسعة القناة، والذي بلغ 64 مليار جنيه مصري، فضلا عن فوائد سنوية تصل إلى 7.5 مليار جنيه.

ومن مظاهر الخلل الضريبي كذلك أن الضرائب على شركات المساهمة (قطاع عام وخاص) بلغت 38.5 مليار جنيه في عام 2014- 2015، بينما الضريبة على مبيعات السلع والخدمات في نفس العام بلغت 122 مليار جنيه، وبما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف المتحقق من عوائد الضريبة من الشركات المساهمة العامة والخاصة معًا.

والدلالة هنا هي عدم كفاءة الجهاز الضريبي المصري، لاعتماده على تحصيل الضرائب غير المباشرة والمتمثلة في ضريبة المبيعات، وظهور التقصير في حق تحصيل الضرائب المباشرة، والتي من أهم مصادرها الشركات الكبرى، وهي الشركات المساهمة.

ومن الدلالات لغبن النظام الضريبي للفقراء في مصر، أن يحصل ضريبة المبيعات بهذه القيمة الكبيرة ليتساوى فيها الأغنياء والفقراء، بينما ضرائب الأغنياء تحقق مبالغ أقل، لأنه يمكنهم التهرب منها، أو تسوية حساباتهم بطرق ملتوية.

أي أن المواطن البسيط يدفع ضريبة على دخله من الوظيفة ويدفع ضريبة المبيعات عندما يشتري أي سلعة أو تقدم له أي خدمة كما يدفع ضريبة الجمارك كجزء من ثمن السلعة التي يشتريها، وهكذا نجد أن الفقراء في مصر يدفعون أكثر من 80 % من الضرائب.

تبقى قضية الإصلاح الضريبي مهملة في أجندة حكومات ما بعد الانقلاب العسكري، فبعد الحديث عن الضرائب التصاعدية، تم التراجع عن تطبيقها رغم قلة الشرائح التي كان من المفترض أن تحصل عليها تلك الضريبة، كما تم تأجيل تحصيل الضرائب على تعاملات البورصة، وفي نفس الوقت تم تفعيل الضريبة العقارية، مع استثناء المؤسسات المدنية الخاضعة للجيش من أندية ومطاعم ومنشآت سياحية.

ولا يتوقع في ظل البرلمان الجديد، أن تحظى الأجندة التشريعية بأية اصلاحات ضريبية، كما سيكون الإصلاح الإداري داخل الجهاز الضريبي بعيدا عن اهتمامات نواب البرلمان الجدد، والذين سيكونون على درب نواب مبارك، بالبحث عن وظائف داخل هذا الجهاز لذويهم ومعارفهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان