تواضع الاستثمارات الخليجية المباشرة بمصر

ا
العاصمة الإدراية أحد المشروعات الخليجية التي لم تدخل حيز التنفيذ

تمثل الاستثمارات الأجنبية المباشرة لمصر في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها الاقتصاد المصري، أهمية كبيرة، في ظل الأزمة التمويلية التي تعيشها، خاصة أن البديل لتلك الاستثمارات هو التوسع في الدين العام سواء داخليًا أو خارجيًا، وهي مشكلة أخرى يخشى على مصر من عواقبها الاقتصادية والاجتماعية.
كانت التوقعات وسقف الأحلام في قمته، عقب الانقلاب العسكري بمصر في يوليو/تموز 2013، مع تدفقات الاستثمارات الخليجية المباشرة، حتى إن بعض الإعلاميين الخليجيين بشر بأن الخليج سوف يضخ 100 مليار دولار استثمارات في مصر، إذا أتى عبد الفتاح السيسي -قائد الانقلاب العسكري- رئيسًا بمصر.
لكن الواقع اختلف، وخيب تلك الأحلام، ليجد الاقتصاد المصري، أداء تقليديا لاستثمارات الخليج، حتى إن الزيادة التي شهدها عام 2014/2015، في تلك الاستثمارات كانت شديدة التواضع بنحو 2.4 مليار دولار.
ووصف هذا المبلغ بالتواضع ناتج عن عدة أمور، منها أن مصر تحتاج سنويًا بتقديرات مسئوليها مالا يقل عن 20 مليار دولار استثمارات أجنبية مباشرة، والأمر الثاني أن هذا المبلغ الذي ضخته دول الخليج، لا يمثل قيمة تذكر في المحافظ الاستثمارية الخارجية لتلك الدول، والأمر الثالث أن أمريكا وحدها ضخت في مصر في نفس العام ما يمثل 87.5 % مما ضخته دول الخليج من استثمارات بمصر.
طبيعة الاستثمارات الأجنبية بمصر
وقال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي للجزيرة مباشر إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر بشكل عام، تحتاج إلى إعادة نظر، لأن مكونها لا يصب في تحقيق طفرة أو تغيير ملموس في أداء الاقتصاد المصري، حيث إن 60% من هذه الاستثمارات يأتي في الصناعات الاستخراجية، البترول والغاز،  وتوجه نسبة تصل لنحو 36% لقطاعات خدمية مثل الإنشاء والمشروعات السياحية، ويكون نصيب قطاع الصناعة بحدود 4% على الأكثر.
كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحسب الصاوي، لم تحدث طفرة في مصر، من حيث زيادة الصادرات، أو القضاء على البطالة، أو جلب التكنولوجيا، وإنما السمة الغالبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، وبخاصة تلك التي أتت خارج الصناعات الاستخراجية، كانت تزاحم الصناعات المحلية، بل سعى الكثير منها لتأسيس وضع احتكاري في السوق المصري، كما حدث في صناعة المنظفات، وبعض الصناعات الغذائية، وقد اتخذت بعض الاستثمارات الخليجية نفس المسار مؤخرًا عندما بدأت بالتوجه نحو الصناعات الغذائية في مصر.
مشروعات سياحية وعقارية
والسمة الغالبة للاستثمارات الخليجية بمصر، أنها تصب في إطار المشروعات السياحية والعقارية، وبعض منها في ضوء مشروعات الخصخصة، والتي منيت بمشكلات كبيرة خلال الفترة الماضية، بسبب شبهات فساد، حكم بسببها القضاء المصري ببطلان غالبية عقود الصفقات الخليجية في مشروعات بيع المصانع التي تم خصخصتها بمصر.
وكانت الدلالات واضحة عقب الانقلاب العسكري بمصر، فيما يتعلق بتوجه دول الخليج للاستثمار المباشر بمصر، حيث كانت السعودية والإمارات أول من دعا لمؤتمر مانحين بمصر، عقب الانتخابات التي أتت بقائد الانقلاب العسكري رئيسًا لمصر، وانحسر أداء الدول الخليجية بمؤتمر شرم الشيخ في مارس/آذار 2015، على برنامج للودائع الخليجية لدعم احتياطي النقد الأجنبي بنحو 6.8 مليار دولار، وكذلك بعض المنح البترولية، والنقدية.
وافتقد الحضور الخليجي بالمؤتمر بشأن المساهمات الاستثمارية، بل الملاحظ أن بعض المشروعات التي ارتبطت بشركات إماراتية، لم تدخل حيز التنفيذ وأعلن عن فشلها، كما حدث في شأن مشروع المليون وحدة سكنية، وكذلك مشروع العاصمة الجديدة.
واقع تدفقات الاستثمار الخليجي بمصر
بالنظر إلى واقع الاستثمارات الخليجية المباشرة في مصر في ضوء البيانات المتاحة ، خلال الفترة من 2010-2011 : 2014-2015، في ظل الموقف الداعم من قبل دول الخليج للانقلاب العسكري بمصر، منذ يوليو 2013، والمقارنة بين أداء خمسة دول خليجية وأمريكا في مضمار تدفقات الاستثمارات المباشرة منهما لمصر، يتضح أنه يراد لهذه المساعدات أو الاستثمارات، أن تكون بمثابة مسكنات للوضع في مصر؛ ولكنها لا تمكن لمصر لتخرج من أزمتها الاقتصادية، حتى يكون دورها كقوة إقليمية تحت السيطرة، بحسب الخبير الاقتصادي الصاوي.
فمن خلال البيانات يتضح لنا مجموعة من الحقائق، حول وضع الاستثمارات المباشرة من دول الخليج لمصر، ومقارنتها بما ضخته أمريكا من استثمارات مماثلة لمصر خلال نفس الفترة.
مثل عام 2014/2015 الأكبر من بين باقي السنوات من حيث تدفق الاستثمارات الخليجية المباشرة لمصر، بقيمة استثمارات 2.4 مليار دولار، بينما كان عام 2010/2011، هو الأقل، حيث بلغت قيمة تلك الاستثمارات 0.75 مليار دولار.
تتصدر الإمارات دول الخليج من حيث قيمة استثماراتها المباشرة لمصر، بنحو 3.2 مليار دولار على مدار الفترة 2010/2011 – 2014/2015، وتليها السعودية بنحو 1.5 مليار دولار. وتمثل استثمارات كل من الإمارات والسعودية نسبة 77.3%.
يعد العام 2014/2015 هو الأكبر من بين سنوات الفترة، من حيث قيمة الاستثمارات الخليجية بمصر، حيث بلغت 2.4 مليار دولار، وهو كذلك العام الوحيد خلال الفترة الذي زادت فيه الاستثمارات الخليجية عن الاستثمارات الأمريكية بمصر، حيث بلغت الاستثمارات الأمريكية في ذلك العام 2.1 مليار دولار.
على مدار خمس سنوات فترة المقارنة، اتضح أن الدول الخليجية الخمس الداعمة لسلطة ما بعد 3 يوليو، قد ضخت استثمارات مباشرة تصل إلى 6.2 مليار دولار، بينما أمريكا وحدها ضخت خلال نفس الفترة 8.8 مليار دولار، وبذلك تكون أمريكا قد تفوقت على دول الخليج في تدفقات الاستثمارات المباشرة بنحو 2.6 مليار دولار، وبنسبة زيادة قدرها 43.1%.
بلغ المتوسط  السنوي لتدفقات الاستثمار المباشر من دول الخليج لمصر خلال الفترة، نحو 1.24 مليار دولار، بينما وصل هذا المؤشر بالنسبة لتدفقات أمريكا لمصر نحو 1.77 مليار دولار، وهو ما يعني أن الاستثمارات المباشرة الأمريكية لمصر، مثلت أهمية أكبر من تلك المتدفقة من دول الخليج من حيث القيمة.
يمكن القول بأن رهان مصر على دول الخليج في تدفقات استثمارية مباشرة خلال المرحلة المقبلة، رهان فاشل، بسبب ما تقبل عليه دول الخليج من أوضاع اقتصادية صعبة بسبب أزمة انهيار أسعار النفط، ومن جهة أخرى ما استجد من أزمة مستعرة بين إيران والخليج مؤخرًا، والتأكيد على النظرة الإستراتيجية المتجذرة تجاه مصر، بأن تبقى أسيرة العوز والحاجة، وأن ما يقدم لها من استثمارات لا تلبي احتياجاتها لتحقيق تنمية أو نهضة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان