الموصل: مدينة المعارك تنشد السلام “بروفايل”

استعدادات لمعركة استعادة الموصل

جحافل عسكرية من كل حدب وصوب تزحف لاستعادة السيطرة عليها. تفاصيل مختلفة لمشهد حربي آخر اعتادت عليه ثانية كبرى المدن العراقية “الموصل” التي يسطر لها التاريخ سجلا كبيرا في المعارك.

هي ثانية كبرى مدن العراق بعد العاصمة بغداد، وتعتبر مركزًا لمحافظة نينوى بشمال البلاد وعرفت بهذا الاسم لكونها ملتقى طرق عدة تصل الشرق بالغرب.

يسكنها  نحو مليوني نسمة، يتكلمون اللهجة الموصلية التي تختلف عن باقي لهجات العراق والشام لتأثرها بلغات أخرى كالتركية والفارسية والكردية.

ويُشكل العرب السنة أغلب سكان المدينة، كما ينتشر بها الأكراد، وأغلبهم من السنة، بالإضافة إلى التركمان والعرب الشيعة.

ومثلت الموصل عبر التاريخ مركزًا مهما لتجمع المسيحيين الكلدان والسريان والآشوريين، وكذلك الأرمن الذين زادت أعدادهم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تراجعت منذ ثمانينيات القرن الماضي بسبب الهجرة وموجات العنف التي أعقبت حرب العراق وإيران.

واشتهرت الموصل في القرن السادس عشر بوصفها مركزا تجاريا وذلك بحكم العلاقات التي ربطتها بالبلدات المجاورة. وفي القرن الثامن عشر أصبحت من أهم مصدري الحبوب في المنطقة، كما ظهر بها خط تجاري نهري في النصف الثاني من القرن العشرين عبر نهر دجلة يمتد من الموصل إلى البصرة عبر بغداد.

وعقب الاحتلال الإنجليزي للعراق في عشرينيات القرن الماضي، عُرفت الموصل كأحد مراكز تصدير النفط في الشمال، كما توسعت فيها الزراعة وتنوعت بعد إنجاز بعض مشروعات الري على سد الموصل (سد صدام سابقا) ونهر الزاب الكبير.

وتعاني الموصل منذ تسعينيات القرن الماضي ركودا اقتصاديًا بسبب الحصار الذي فُرض على العراق، وما استتبعه من هجرة كثير من الأيدي العاملة والكوادر. ومن أشهر أسواقها سوق النبي يونس وسوق السرجخانة وباب السراي وباب الطوب.

ودخل المسلمون الموصل سنة 21 هـ/643 م، ثم حكمها السلاجقة عام 1096م، وأصبحت شبه مهجورة بسبب إهمالهم لها، حتى تمكن عماد الدين زنكي (الأتابكي) من الاستقلال بها عام 1127م، وأعاد عمارتها.

وفي العام 1262 دخل المغول الموصل، فقتلوا معظم أهلها وهدموا أكثر من نصف مبانيها. ومع بداية القرن الخامس الميلادي آل أمرها للتركمان، فتناوبت قبيلتا الخرفان البيض والخرفان السود حكمها.

وفي العام 1508م خضعت الموصل لحكم الصفويين الذي لم يدم طويلا، حيث دخلها العثمانيون عام 1535م بقيادة سليمان القانوني.

ظلت الموصل تحت حكم العثمانيين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وبعد اتفاقية سايكس بيكو، أصبحت تابعة للنفوذ الفرنسي، ثم تنازلت عنها فرنسا لبريطانيا بموجب معاهدة “سيفر” عام 1920. وفي 1925 قررت الأمم عودة الموصل إلى العراق، وانضمت رسميًا إلى المملكة العراقية في 3 من نوفمبر/تشرين الأول 1932.

وبعد ثورة 1958 أعلن عبد الكريم قاسم قيام الجمهورية العراقية، وفي 8 من مارس/آذار 1959 أعلن قائد الفيلق الخامس بالجيش العراقي عبد الوهاب الشواف -عبر راديو الموصل- العصيان، ودعا الشعب إلى حمل السلاح ضد قاسم، مستعينًا بالقوميين العرب وبعض الاقطاعيين، إلا أن قاسم تمكن من حسم المعركة، وأعدم مئات من القوميين العرب على يد الشيوعيين، ونزح العديد من سكان الموصل إلى بغداد.

وفي 21 من أبريل/نيسان 2003 تمكنت قوات البشمركة الكردية بالتعاون مع الفرقة المظلية 101 من الجيش الأميركي من احتلال المدينة بعد استسلام القوات العراقية.

وفي نهاية العام 2004 تدهور الوضع الأمني بالموصل، وتمكن مسلحون منتمون لتنظيم القاعدة من السيطرة على أجزاء منها، فدارت معارك شرسة بين المسلحين من جهة والقوات العراقية والأمريكية من جهة أخرى.

وشهدت السنوات الأربع اللاحقة موجات عنف استهدفت الأقليات الدينية، كان أهمها عمليات قتل استهدفت مسيحييها أواخر عام 2008 وأدت إلى نزوح أغلبهم إلى مناطق سهل نينوى شرقي الموصل.

وفي العام 2011 شهدت الموصل احتجاجات للمطالبة بخروج القوات الأمريكية بشكل كامل، واستقالة حكومة المالكي وذلك ضمن سلسة الاحتجاجات التي شهدها العراق.

وفي يونيو/حزيران 2014 سيطر مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام على المدينة بعد معركة مثيرة للجدل فرَّ فيها أفراد الجيش العراقي، وهو ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من سكانها.

لكن القوات العراقية وبغطاء جوي من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بدأت فجر اليوم الاثنين عملية عسكرية واسعة النطاق ومن عدة محاور لاستعادة المدينة من مخالب التنظيم، وسط مخاوف من حدوث أزمات إنسانية حادة في المدينة ونزوح سكانها، إلا أن الآمال معلقة على أن تشهد المدينة السلام ذلك الحلم الذي يراود العديد من الدول العربية.


إعلان