زيادة المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد المصري

في تصريحات لوزير الاستثمار المصري أشرف سالمان، خلال جلسة نقاش مع مجلس الأعمال المصري الأوروبي مساء الأحد الماضي قال: إن الحكومة بدأت خلال العام المالي الحالي تنفيذ إجراءات لخفض عجز الموازنة لأقل من 11.5 %، معترفا بأن توسع الحكومة في الاقتراض الداخلي من البنوك يؤدى إلى مزاحمة القطاع الخاص ورفع الفائدة، وأضاف: نلجأ إلى طبع الفلوس، إحنا أصلا شغالين طبع فلوس وهذا ليس في صالح الاقتصاد.
جاءت هذه التصريحات لتزيد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد المصري، حيث قام البنك المركزي المصري بطباعة 9 مليارات جنيه في شهر سبتمبر 2015، وذلك في ظل ارتفاع معدلات الديون الداخلية والخارجية، وكذلك تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما يعني أن خلل السياسة الاقتصادية لا يقتصر على جانب من الجوانب، ولكنه يضرب في أعماق كافة النشاط الاقتصادي برأي الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي.
وعادة ما تظهر العديد من عورات الحكومة الاقتصادية في شهر يوليو من كل عام، حيث تنتهي الحسابات الختامية الخاصة بالموازنة، وتحتاج الحكومة لسداد بعض التزاماتها، وعلى ما يبدو أن الحكومة وجدت أن قروضها من الجهاز المصرفي تجاوزت الحد المسموح به خلال هذه السنة، فلجأت إلى زيادة الكميات المطبوعة من النقد، غير عابئة بما سيترتب على ذلك من مضار وخسائر اقتصادية.
وقيام الحكومة بطباعة النقود ليس قاصرًا على سبتمبر 2015، ولكنها سياسة متبعة، منذ سنوات، ويمكن رصد ما تم طباعته خلال فترة الانقلاب العسكري، من واقع بيانات البنك المركزي المصري، حيث تشير بينات النشرة الاقتصادية لشهر سبتمبر أن ما تم طباعته خلال الفترة من يوليو 2013 وحتى سبتمبر 2015 بلغ 67 مليار جنيه.
نار الأسعار
وقد لا يدرك صاحب الدخل المحدود أو أصحاب الدخول الثابتة من موظفي الحكومة والقطاع الخاص، ماذا يعني طباعة 9 مليارات جنيه في شهر، غير أنهم سيكتوون بارتفاع الأسعار نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، التي ستظهر آثاره نتيجة طباعة النقود بعد دورة مدتها 6 أشهر.
ولكن سيدركهم خطر آخر نتيجة انخفاض قيمة الجنيه، في أجل أقل من 6 أشهر، والمفترض أن يكون في حدود 3 أشهر نظرًا لطبيعة الدورة التجارية التي تعتمد على الاستيراد، ولكن الواقع المصري في ظل غياب رقابة الحكومة على الأسواق، وانشغال الأجهزة الرقابية والأمنية بالنواحي السياسية، فسوف يستغل التجار هذه الأجواء، وسيكتوي الفقراء بنيران التضخم الناتج عن تراجع قيمة الجنيه خلال أيام.
ولكن من سيدرك حقيقة التصرفات السلبية للحكومة على الصعيد الاقتصادي، هم أصحاب المدخرات بالبنوك، حيث سيتبين لهم أن ثرواتهم تنهار في ظل طباعة النقود، ومن جانب آخر ارتفاع معدلات التضخم بمعدلات تفوق سعر الفائدة الذي يجنونه على مدخراتهم.
فاتورة الواردات المفتوحة
أكد وزير المالية خلال الأيام الماضية على أن فاتورة الواردات خلال العام المالي 2014/2015 بلغت 81 مليار دولار، شاملة الواردات السلعية والخدمية، وأنها تزيد بنحو 20 مليار دولار عن العام السابق، وهو ما أكده مؤخرًا محافظ البنك المركزي، في سياق تبريره لانهيار احتياطي النقد الأجنبي، وانخفاض قيمة الجنيه المصري.
وبذلك تضاعفت فاتورة الواردات مقارنة بما كانت عليه في عام 2009/2010، حيث كانت الواردات المصرية بحدود 40 مليار دولار. وحتى المبررات التي تساق من قبل بعض الاقتصاديين أو المسئولين الحكوميين لارتفاع قيمة الواردات غير مقبولة، من كونها مستلزمات إنتاج، وعدد وآلات، فالخلل في هيكل الواردات ليس وليد التو واللحظة ولكنه معروف منذ عقود، وكان ينبغي أن يستدرك هذا الأمر من خلال استراتيجية لعلاجه، لا أن يترك الأمر على مصرعيه.
وكثيرًا ما رُوج لزيادة فاتورة الواردات، وبخاصة في السلع الترفيهية والكمالية، بأنها من مستلزمات العمل بقطاع السياحة، ولكن للأسف فالسياحة أصيبت في مقتل على مدار السنوات الخمس الماضية، ومع ذلك لم يتوقف أو يقل استيراد هذه السلع.
شماعة المساعدات
بعد أن ألمت أزمة انهيار أسعار النفط بدول الخليج، وقل الدعم المقدم من تلك الدول لمصر، بدأ المسئولون المصريون يتحدثون عن دور تراجع الدعم الخليجي في انخفاض احتياطي النقد الأجنبي، أو استمرار الركود الاقتصادي، أو استخدام تراجع هذا الدعم كتكأة للاقتراض من الخارج، بنسبة فائدة هي الأعلى في الأسواق العالمية، حيث اقترضت مصر عبر السندات التي طرحتها في السوق الدولية في يوليو 2015 بنسبة فائدة 6.25%، لقرض بلغت قيمته 1.5 مليار دولار.
وبدلا من أن يقدم المسئولون المصريون كشف حساب للشعب عن الحجم الحقيقي من الدعم الخليجي، وكيف تم التصرف فيه، تم التغاضي عن هذا، وبدأت الشكوى من توقفه أو تراجعه.
المستقبل المنتظر
لا توجد بوادر يمكن من خلالها تبني سيناريو أو احتمالات للتفاؤل بشأن الاقتصاد المصري، وبخاصة في ظل غياب آليات للمساءلة، أو اعتماد مبدأ الشفافية في عمل الحكومات بعد الانقلاب العسكري.
وبخاصة أن السياسات المعلنة من قبل المسئولين الحكوميين، هي اتباع أجندة المؤسسات الدولية، والتعامل مع الاقتصاد المصري على أنه في أوضاع طبيعية، وأنه قادر على المنافسة، في حين أن حقيقية الأمر أن الاقتصاد يمر بأسوأ مراحل الأداء.
وبدلا من أن تستفيد الحكومة من ثغرات وفرص في اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وتقليل الواردات، إعمالا لاتفاقية الوقاية من الواردات، والتي تعطي الحق في استخدام نظام الحصص لفترة زمنية معينة، إذا ما زاد معدل الاستيراد عن متوسط آخر ثلاث سنوات. تفكر الحكومة في رفع معدلات الجمارك، وهي تعلم أن نظامها الجمركي يعاني من فساد كبير، وتتضرر منه صناعات مثل الملابس الجاهرة والمنسوجات والدواء، عبر البضاعة المهربة والتي يتم استيرادها من الخارج ولا يدفع عنها ضرائب.
ثمة توقعات بشأن المؤشرات الاقتصادية الكلية لمصر، تنبئ بأن القادم أسوأ، وستكون له تبعاته السلبية على زيادة معدلات الفقر والبطالة والتضخم، وباقي المؤشرات الاقتصادية الأخرى.