صندوق النقد: على الاقتصادات الخليجية إعادة هيكلة الضرائب

ألقت أزمة انخفاض أسعار النفط بظلالها على جميع اقتصاديات الدول المصدرة للنفط في العالم أجمع، وخصوصا دول الخليج، حيث يستحوذ القطاع النفطي بشقيه النفط والغاز على نصيب الأسد من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي، ما يعد أمرا سلبيا إذ يضع هذه الاقتصادات تحت رحمة التطورات في أسواق النفط العالمية.
وتسيطر المنظومة الخليجية على نسبة مؤثرة من الإنتاج النفطي العالمي وتحديدا 25%، لكن تحديد الأسعار يتم عبر عوامل مختلفة لا ترتبط بالضرورة بالدول المنتجة للنفط أو الغاز، ويساهم القطاع النفطي بنحو 49% من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي، عدا الأهمية النسبية بالنسبة للإيرادات العامة والصادرات.
وفي ظل انخفاض أسعار النفط لمستويات قياسية حيث بلغ سعر خام غرب تكساس الأمريكي الوسيط اليوم 30.59 دولار للبرميل، كما بلغ سعر خام برنت 33.83 دولار للبرميل، والظروف السياسية التي تعيشها المنطقة، ومن أبرزها تبعات الحرب في اليمن وسوريا.
مصادر أخرى للدخل
بدأت دول الخليج في البحث عن مصادر أخرى للدخل في ظل عجز أصاب موازناتها ربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وعلى سبيل المثال سجلت ميزانية الكويت عجزاً فعلياً قدره 2.721 مليار دينار في السنة المالية 2014-2015 المنتهية في 31 مارس/آذار الماضي، وهو الأول منذ 1998–1999، ومن المتوقع أن يصل العجز في ميزانية 2015–2016 إلى 8.226 مليارات دينار، لهذا أقرت الحكومة الكويتية ميزانية تقشفية للسنة المالية الحالية تتضمن مصروفات أقل بنسبة 17.8%، عما هو مقرر في السنة المالية السابقة بسبب الهبوط المستمر لأسعار النفط.
لهذا قال وزير التجارة والصناعة الكويتي في وقت سابق: إن بلاده التي تأثرت كثيراً بهبوط أسعار النفط، تدرس فرض ضرائب على أرباح الشركات المحلية بواقع 10%، كما تدرس أيضاً تقليص الدعم الذي يحصل عليه المواطنون في أسعار الطاقة.
ضريبة القيمة المضافة
وأضاف الوزير في مقابلة نشرتها جريدة الأنباء الكويتية: حتى الآن ليس هناك أي اتجاه لفرض ضريبة على الدخل ولكن النقاشات الضريبية المطروحة اليوم ستكون على أرباح الشركات، والأفكار الأولية المتداولة أنها ستكون في حدود 10%.
كما شرعت دول الخليج في إعادة ترشيد نظم الدعم المقدمة للمواطنين، وترشيد الإنفاق العام بهدف التأقلم مع الأسعار الحالية للنفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي لتمويل الميزانية العامة، وسط مخاوف من الآثار الاجتماعية المحتملة على محدودي الدخل والفقراء، وتردي مستوى الخدمات العامة نتيجة خفض الإنفاق، واللجوء للاستدانة لمواجهة العجز المالي.
كانت دول الخليج قد اتفقت في اجتماع وزراء المالية في العاصمة القطرية الدوحة في مايو/أيار الماضي، على مواصلة العمل باتجاه استحداث ضريبة للقيمة المضافة في أنحاء المنطقة كخطوة لتنويع قاعدة اقتصاداتها بعيدا عن إيرادات النفط والغاز، خلال 3 سنوات أو أقل بعد التوصل إلى اتفاق نهائي، تستثني الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية و 94 سلعة غذائية، في خطوة لتعزيز الإيرادات، بعد الانخفاض الحاصل في أسعار النفط، على أن تقوم كل دولة خليجية على حدة بإصدار قانونها الخاص.
التكيف مع عصر النفط الرخيص
في هذا السياق نقلت وكالة رويترز عن كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، اليوم الإثنين، قولها: إن الصندوق على ثقة من أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانها تنفيذ تعديلات مالية واسعة تحتاج لها للتكيف مع عصر النفط الرخيص.
وأضافت أنه سيتعين على مصدري الخام خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات الحكومية لتحقيق هذا الأمر، موضحة أنهم أظهروا القدرة على التكيف في الماضي وبإمكانهم فعل ذلك مرة أخرى.
ورأت لاغارد، خلال مؤتمر في أبوظبي الإماراتية، أن “هذه الاقتصادات بحاجة لتقوية أنظمتها المالية وإعادة هيكلة نظامها الضريبي عبر خفض اعتمادها الكبير على إيرادات النفط وتعزيز الإيرادات من المصادر غير النفطية”.
وأشارت إلى أن فرض ضريبة القيمة المضافة، حتى عند مستويات متدنية من خانة الآحاد، من شأنه أن يرفع الإيرادات لما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما تتزامن هذه التصريحات مع استمرار مساعي منتجي النفط سواء داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو خارجها لبحث سبل دعم الأسعار، خاصة بعد توصل كبار المنتجين، خلال اجتماع عقد الأسبوع الماضي في العاصمة القطرية الدوحة، إلى اتفاق لتثبيت الإنتاج عند مستويات شهر يناير/كانون الثاني الماضي.
يشار إلى أن دراسة نشرها صندوق النقد الدولي في سبتمبر/أيلول الماضي بشأن العدالة الضريبية في المنطقة العربية، أفادت بأن حجم إيرادات الضرائب غير النفطية في دول الخليج شكلت عام 2014 أقل من 5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت النسبة في تونس والمغرب 23%، وفي الأردن 17%.
وكان مسؤولون خليجيون صرحوا بأنه من الضروري تطبيق الضريبة في الوقت نفسه في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون، من أجل تفادي تهريب السلع من دول تفرض الضريبة إلى أخرى لا تطبقها، وهو ما سيكبد مالية هذه الدول خسائر كبيرة، كما أنه سيضر بتنافسية الاقتصادات الخليجية، مع إعطاء القطاعات المعنية بتطبيق هذه الضريبة مهلة زمنية لا تقل عن 18 شهراً للتحضير للتطبيق واستيفاء متطلبات الالتزام بها.
ويرى معارضو الخطوة أن هناك كثير من الإشكالات ستواجه التطبيق خاصة في عدد السلع التي ستخضع للاستثناءات، مثل المواد الأساسية من الأغذية والسلع الزراعية والأدوية والسلع الاستثمارية، وأن المتأثر الأكبر بهذا الاتفاق طبعا هو المستهلك البسيط وأصحاب الدخل المحدود، ويفترض أن تطبق على المؤسسات والشركات المالية والاستثمارية والمصارف والبنوك التجارية وشركات التأمين، ويؤكد المعارضون أهمية وجود الدراسات العلمية والمتخصصة والبحوث العميقة والتطبيقية قبل فرضها على المواطن الخليجي.