24 فبراير حين تحدثت مصر عن نفسها وأراد الشعب الحياة

24 فبراير/شباط.. شهد هذا اليوم ميلاد اثنين من أعظم شعراء العرب في العصر الحديث، ففيه ولد “شاعر النيل” المصري حافظ إبراهيم عام 1872، وميلاد “شاعر الخضراء” التونسي أبو القاسم الشابي في عام 1909.
فحين ردد المصريون “وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وجدي”، خرج صوت من تونس ليؤكد “إذا الشعب يوماً أرد الحياة فلابد أن يستجيب القدر”.
حافظ إبراهيم (شاعر النيل)
شاعر مصري، تخرج في المدرسة الحربية، واشتغل بالثقافة، كان أحد رموز مدرسة “الإحياء والبعث” في الشعر العربي، كان شعره وعاءً وسجلاً ومرآة لآلام وآمال الإنسان والأمة، فلقب بشاعر الشعب، وعُرف بشاعر النيل.
![]() |
| شاعر النيل-حافظ إبراهيم |
عرف بموقفه ضد المستعمر في حربه ضد اللغة العربية وقد تميز شعره “بالروح الوطنية الوثابة”، وكان -إلى جانب ذلك- مرحاً صاحب نكتة، وكان سريع البديهة، يملأ المجلس ببشاشته وفكاهاته الطريفة.
كان حافظ إبراهيم إحدى عجائب زمانه، ليس فقط في جزالة شعره بل في قوة ذاكرته التي قاومت السنين ولم يصبها الوهن والضعف على مر 60 سنة هي عمر حافظ إبراهيم، فكان باستطاعته أن يقرأ كتابا أو ديوان شعر كامل في دقائق عدة وبقراءة سريعة ثم بعد ذلك يتمثل ببعض فقرات هذا الكتاب أو أبيات ذاك الديوان.
وروى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن في بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم أو طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه بالرواية التي سمع القارئ يقرأ بها.
وقال عنه الشاعر مطران خليل مطران “أشبه بالوعاء يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها في نفسه, فيمتزج ذلك كله بشعوره و إحساسه، فيأتى منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذى يحس كل مواطن أنه صدى لما في نفسه.
غنت من كلماته كوكب الشرق أم كلثوم قصيدته الشهيرة “مصر تتحدث عن نفسها” حتى أصبحت رمزاً للوطنية وبات الجميع يرددون معها “وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدى.. وبناة الأهرام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي.. أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقدي”.
![]() |
| شاعر الخضراء وشاعر النيل |
صدر له كتاب بعنوان “ليالي سطيع” في النقد الاجتماعي، وترجمة “البؤساء” لفيكتور هوغو، والموجز في علم الاقتصاد بالاشتراك مع خليل مطران، وكتاب “في التربية الأولية” مترجم عن الفرنسية، كما ترك ديوان شعر من جزأين لم يطبع في حياته، وتوفي عام 1932، قبل وفاة أحمد شوقي بـ4 أشهر.
أبو القاسم الشابي (شاعر الخضراء)
“إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر.. ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر.. ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر” كلمات شهيرة يرددها جميع العرب من قصيدة “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي وتعتبر من أفضل القصائد في العصر الحديث، وأيضاً هو صاحب “نشيد الجبار” الذي قال فيه “سأعيش رغم الداء والأعداء.. كالنسر فوق القمة الشماء”.
كان أبو القاسم الشابي شاعراً وجدانياً عميق الإحساس رغم صغر سنه، نادى بتحرير الشعر العربي من صورته النمطية القديمة، والانفتاح على الفكر والخيال وأشكال التعبير الجديدة.
ولد عام 1909 في قرية الشابة في محافظة توزر بالجنوب التونسي، ونشأ في أسرة متدينة مثقفة، تخرج أبوه محمد الشابي فيه جامع الأزهر، وأصبح قاضياً، ورافق أبو القاسم والده لما كان طفلا في جميع تنقلاته بين المدن التونسية التي عمل بها، ما أكسبه معرفة بالكثير من المناطق وخلق لديه حبا كبيرا بجمال الأماكن التي زارها.
![]() |
| شاعر الخضراء-أبو القاسم الشابي |
تلقى تعليمه الابتدائي باللغة العربية دون غيرها في الكتاتيب القرآنية في مدينة قابس (جنوب)، وكانت له ذاكرة قوية مكنته من حفظ القرآن وهو في التاسعة، وبدأ يتعلم أصول العربية والدين على يد والده إلى أن أرسله عام 1920 إلى العاصمة، وهو في الثانية عشرة لمتابعة الدراسة الثانوية في جامع الزيتونة.
يبدو أن الشابي كان مصاباً بالقلب منذ نشأته ولكن حالته ازدادت سوءاً فيما بعد بعوامل متعددة منها التطور الطبيعي للمرض بعامل الزمن، والشابي كان في الأصل ضعيف البنية، ومنها الصدمة التي تلقاها بموت محبوبته الصغيرة ومنها فوق ذلك إهماله لنصيحة الأطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ومنها أيضاً زواجه فيما بعد.
كان الشابي من الشعراء الذين تغنوا بالمستقبل وآمنوا بالتجديد، ورفضوا الجمود والتقليد وسكبوا ذاتهم في واقعهم الاجتماعي، فتغنى بالحياة والفن والوطن والطبيعة والثورة وإرادة الحياة.
من أشهر أعماله ديوان أغاني الحياة، والخيال الشعري عند العرب، وقد كتب جزءا من مذكراته، وله مقالات أدبية وأشعار متنوعة نشرها في مجلة “أبولو” المصرية التي كانت باب شهرته إلى العالم العربي، وتوفي أبو القاسم الشابي -وهو في 25 من العمر- عام 1934 بعد صراع طويل مع مرض القلب، وحزن عميق على موت محبوبته ووالده.. لكن الشابي عاش بقصائده رغم الداء والأعداء.


