ضم الصناديق الخاصة بمصر للموازنة .. حقيقة أم سراب

وسط أزمة مالية واقتصادية تواجهها الحكومة المصرية، يتصاعد الجدل بشأن الصناديق الخاصة ومدى قدرتها على توفير مورد مالي للخزانة العامة للدولة يحد من نزيف الاقتراض. يأتي ذلك بعد أن وافقت لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب، على اقتراح بمشروع قانون بتعديل القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة، لإلغاء الصناديق الخاصة، على أن تؤول أموالها وأرصدتها إلى الخزانة العامة للدولة، دون المساس بالصناديق الخاصة بالقوات المسلحة، وذلك سط تحفظ الحكومة على المشروع.
فهل سيصدر البرلمان هذا القانون، أم يكون الحديث عن الصناديق الخاصة وفسادها محاولة جديدة لشغل الرأي العام المصري عن الأزمات المعيشية الحادة التي يعانيها؟
أكبر أبواب الفساد
كانت الصناديق والحسابات الخاصة وما زالت أكبر أبواب الفساد في مصر، ولا يعرف أحد عددها أو حجم إيراداتها أو قيمة أرصدتها، فمن حيث العدد كان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق المستشار جودت الملط –إبان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك- عندما يعرض ملخص التقرير السنوي عن فحص (حساب ختامي الموازنة العامة للدولة) على مجلس الشعب يقول:” بلغ ما أمكن حصره منها …”، ثم يذكر رقما يقترب من عشرة آلاف صندوق. وقدر تقرير لجهاز المحاسبات -قُدم للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب المصري عام 2012- إيراداتها السنوية بمبلغ مائة مليار جنيه، كما اختلفت التقديرات الخاصة بأرصدتها في البنوك فبلغت فى حدها الأدنى 50 مليار جنيه.
بدأ الحديث عن الصناديق والحسابات الخاصة أو “مغارة علي بابا ” كما سماها الصحفي أمير الزهار، بعد الاستجواب الذي تقدم به النائب أشرف بدرالدين لمجلس الشعب في مارس/آذار 2010، والذي لم يناقش كغيره من عشرات الاستجوابات التي تقدم بها نواب المعارضة في المجلس في عهد مبارك.
برلمان الثورة يتصدى للفساد
القضاء على الفساد كان أحد أهداف ثورة 25 يناير، وبالتالي كان من أولويات مجلس شعب الثورة المنتخب برئاسة الدكتور سعد الكتاتني: القضاء على فساد الصناديق والحسابات الخاصة وإحكام الرقابة عليها، وضم إيراداتها وأرصدتها إلى الموازنة العامة للدولة، فبدأت لجنة الخطة والموازنة بالمجلس مناقشة القضية في عدة اجتماعات أصدرت في ختامها عدة توصيات تمهيدا لإصدار التشريع المناسب بشأنها؛ مع المحافظة على كافة حقوق العاملين المعينين على هذه الصناديق، كما وافقت لجنة الاقتراحات والشكاوى بالمجلس على اقتراحات بمشروعات قوانين تقدم بها بعض الأعضاء لإلغاء الصناديق الخاصة؛ لأجل القضاء على الفساد المالي والإداري داخل أجهزة الدولة.
لم يمهل المجلس العسكري –الحاكم للبلاد بعد خلع مبارك- مجلس الشعب ليتمكن من تجفيف أهم منابع الفساد، فأصدرت المحكمة الدستورية يوم الخميس 14 يونيو/حزيران 2012حكمها بحل مجلس الشعب، وبعد يومين أصدر رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي قرارا بحل المجلس، وهكذا استمر باب الفساد الأكبر مفتوحا على مصراعيه ليغترف منه المسؤولون المليارات على حساب المطحونين من الفقراء والكادحين من شعب مصر.
وتولى مجلس الشورى سلطة التشريع بعد أن أسندت إليه بموجب الدستور المستفتى عليه في ديسمبر/كانون الأول 2012، وانتقلت مهمة مكافحة الفساد في الصناديق الخاصة إلى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالمجلس.
تعديل تشريعي
وجاءت اللحظة التي انتظرها الشعب المصري طويلا من أجل توجيه ضربة موجعة للفساد والمفسدين، فتم إضافة المواد (10، 11، 12) لقانون ربط الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013/2014 لتحقيق هذا الهدف نصت المادة (10) على أن يؤول للخزانة العامة للدولة نسبة 10% من جملة الإيرادات الشهرية للصناديق والحسابات الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص حتى ولو كان ذلك مغايرا لما هو وارد في لوائحها المعتمدة، كما نصت المادة (11) على أن يؤول للخزانة العامة للدولة نسبة مقدارها 25% من أرصدتها.
كما جاء نص المادة (12) كالتالي: “على جميع الجهات المخاطبة بالقانون رقم 139 لسنة 2006 بتعديل يعض أحكام القانون رقم 127 لسنة 1981 بشان المحاسبة الحكومية والخاص بحساب الخزانة الموحد والتي ما زالت لديها حسابات مفتوحة خارج البنك المركزي المصري بأن تقوم بإقفال تلك الحسابات ونقل أرصدتها إلى حساب الخزانة الموحد بالبنك المركزي المصري في غضون شهر من تاريخ إصدار هذا القانون، وفي حالة عدم التزام الجهات المشار إليها في الفقرة السابقة بتحويل كل حساباتها المفتوحة خارج البنك المركزي المصري إلى حساب الخزانة الموحد بالمدة المحددة يخصم نسبة 50% من رصيد تلك الحسابات وتؤول للخزانة العامة للدولة وفي حالة عدم التزام تلك الجهات لمدة 6 أشهر تؤول كامل أرصدة تلك الحسابات للموازنة العامة”.
كان من المفترض بعد صدور هذا القانون الذي أصدره مجلس الشورى يوم الخميس 27 يونيو 2013 وصادق عليه رئيس الجمهورية حينها محمد مرسي، أن تكون جميع أموال الصناديق الخاصة المودعة في بنوك تجارية والتي قدرتها وزارة المالية بما يزيد عن 8 مليارات جنيه قد تم تحويلها إلى حساب الخزانة الموحد بالبنك المركزي أو آلت إلى الموازنة العامة خلال 6 أشهر من صدوره.
بعد الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب، تضمن قانون ربط الموازنة للعام المالي 2014/2015 الذي أصدره قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، نص المادة (12) كما هي دون تعديل.
وإلى الآن لم يتم تطبيق نصوص هذه المواد فعليا، فهل يمكن توقع إصدار القانون الجديد الذي يطالب بإلغاء تلك الصناديق؟