“القبقاب” المصري: رنَّة تتوارى خلف المجهول

صانع قباقيب مصري داخل ورشته بالقاهرة

حين يطرق الصانع المصري الستيني، نور عبد القادر، حذاءً خشبيا بآخر، فإنه يُصدر رنة شهيرة، داخل ورشته المتهالكة لإحدى الحرف التراثية بحي الغورية، وسط العاصمة المصرية القاهرة.

هذا الصوت في صداه تاريخ صناعة “القبقاب”؛ الحذاء الأشهر في عصور سابقة قديمة.

و”القبقاب” حذاء مصنوع من قطعة مستوية من الخشب، تعلوها قطعة من الجلد السميك؛ يكون أحيانًا من إطار السيارات “الكاوتش”، مثبتة من الجانبين بصفيحة معدنية و”مسامير قبقايبي”.

ويرجع تاريخ “القبقاب” في مصر إلى عصر الفاطميين (909-1171م)، إذ كان يُنتعل بكثرة في المنازل والحمامات الشعبية لمنع الانزلاق.

ووسط أكوام من الخشب مختلفة الأحجام والأوزان، يجلس “نور” في ورشته التي يرجع تاريخها إلى أوائل القرن الماضي، وبجواره ماكينة لتقطيع “القباقيب” وتفصيله، يحول بأنامله قطع الخشب الخشنة إلى “قباقيب” ناعمة.

لكنه حزين لأن “رنة” القبقاب بدأت تتوارى ولم يعد عليه إقبال بعد ظهور الأحذية البلاستيكية ما أجبر معظم صانعي القبقاب على هجر المهنة ولم يتبق منهم في مصر سوى خمسة، وأصبح الرجل الستيني ينتظر المجهول بعد أن كان أحد أهم موردي القبقاب للصعيد (جنوب) والفلاحين (ينتشرون في القرى) وكل أنحاء مصر.

ورث “نور” مهنة صانع “القبقاب” من والده تاجر الأخشاب، الذي عمل في المهنة من منتصف القرن الماضي، إلا أنه فضّل في بدايات حياته السفر إلى أوربا، قبل أن يعود إلى القاهرة، ويتعلم المهنة المستمر فيها منذ ما يزيد عن 20 عامًا.

وعن مراحل تكوين القبقاب يقول “تبدأ صناعته بإحضار خشب التوت والسيبانس، بسبب انخفاض سعرهما، ونقوم بتقطيعه إلى نصفين متساويين بالمنشار، بحسب مقاس القدم، على آلة تقطيع حديدية”.

وتابع “بعدها نزيل الزوائد الخارجية من الجانبين ومن الأمام والخلف، ثم نركّب قطعة من الكاوتشوك (إطار السيارات) أعلى القطعة الخشبية، ونثبتها بقطعة صفيح بمسامير قبقابية”.

وعن مواسم ازدهار بيعه في مصر يقول “تعتبر المواسم الدينية المتمثلة في شهور رجب وشعبان ورمضان، أكثر أوقات بيع القبقاب، إذ يشتري بعض الناس كمية كبيرة تصل 100 قبقاب ويتبرع بها للمساجد”، مشيرا إلى أن المواطنين لا يقبلوا حاليًا على شراء القبقاب لاستعماله في المنزل، وأنه اقتصاره أصبح فقط داخل المساجد للوضوء.

وعن فوائد “القبقاب” الصحية والطبية، يقول إنه معالج لمرض الروماتيزم (التهاب المفاصل)، وينصح الأطباء بارتدائه للذين لديهم حساسية في القدمين، ولا يتسبب القبقاب في التشققات الجلدية بأصابع القدمين، كما أنه عازل جيد للكهرباء، بحسب قول “نور”.

ويشير صانع “القباقيب” إلى أن أسعار القبقاب تتراوح بين 10 إلى 25 جنيهاً، لكن الأعلى سعرا يتم تصنيعه حسب الطلب، إذ يتم تزيينه بالصدف والألوان ليكتسب منظرا جميلًا.

ويستخدم المصريون حاليا أحذية بديلة “القبقاب” مصنوعة من مادة البلاستيك والجلد.

وارتبط “القبقاب” بالثقافة الشعبية المصرية؛ ففي عصر المماليك (1250-1517م)، كان سببًا في مقتل الملكة شجرة الدر سنة 1257م (حكمت مصر 80 يوما)، والتي قيل إنها ماتت ضرباً بالقباقيب.

و”القبقاب” يتميز برنة عالية يصدرها عند المشي، وهو ما دفع مطربون مصريون بارزون للغناء له؛ أبرزهم “دلوعة” السينما المصرية المطربة شادية (مواليد 1931) التي غنت “رنة قبقابي يأمه (يا أمي) رنة قبقابي وأنا ماشية يأمه بتميل رأسي”.

وكذلك أغنية المطرب المصري عبد العزيز محمود (1914-1991م) “يا أسمر يا جميل” التي يقول فيها: “يا اللي كعابك فوق قبقابك ورد في ميه (مياه)”.

ولا تعود ذكرى “القبقاب” وأغانيه وأشعاره إلى مصر فقط؛ بل له تاريخ في بيروت وإسطنبول ودمشق، وكان عادة يرتديه علية القوم في الأسواق والمنازل والمجالس الرسمية بأشكال متنوعة وفريدة

المصدر: الأناضول

إعلان