قصة الدايت.. الصيد والجمع ثم الزراعة (الحلقة الأولى)

قصة الدايت.. تروي حكاية النظام الغذائي للبشر منذ 300 ألف عام وحتى الآن

إنها قصة جميلة ولذيذة، نأخذكم فيها في رحلة زمنية منذ بداية الإنسان على كوكب الأرض، وكيف تطور نظامه الغذائي وكيف أصبح اليوم، مع آخر التوصيات الطبية الموثوقة حول “الدايت” المناسب لك.

بداية فإن مصطلح الدايت، أو الريجيم، أو الروجيم (هل تذكر عندما كنت تسأل صديقك هل تتبع ريجيم؟ ويجبك: ريجيم! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!) يعني الحمية الغذائية، وهي كل ما يتناوله الشخص من طعام وشراب.

فجميعنا نتبع دايت، سواء كنا نريد إنقاص الوزن، أو زيادته، أو غير مهتمين! الجميع يمشي على ريجيم، شاء أم أبى؛ حتى الصوم هو نوع من أنواع الريجيم.

بداية الحكاية

تبدأ قصتنا قبل 300 ألف عام، حيث كان أسلافنا البشر وقتها صيادين وجامعي ثمار Hunter-gatherer، أي إن أسلافنا كانوا يقتاتون على ما يجدونه من ثمار أو نباتات برية، وما يصطادونه من حيوانات برية.

هذا يعني أيضًا أن البشر وقتها لم يكن لديهم القدرة على التحكم بما يأكلونه، بل كانوا يعتمدون على ما تقدمه لهم البيئة المحلية من نباتات، ودرنات، وحيوانات كانوا يتمكنون من صيدها.

على سبيل المثال استخدم إنسان الأدغال في كالاهاري (في أفريقيا) نظامًا غذائيًا كان يتكون من الخضروات والمكسرات والطرائد، وكانت نسب المغذيات الكلية العامة للبروتين والدهون والكربوهيدرات متساوية تقريبًا 33٪ لكل منها.

بالمقابل سكان الجزر الاستوائية كانوا يستخدمون في الغالب نظامًا غذائيًا معتمدًا على الفواكه. أما الإسكيموس فتناولوا نظامًا غذائيًا كان حوالي 40-50٪ من الدهون فيه من الحيوانات، مع نسبة للدهون المشبعة تصل إلى 40٪، بنظام غذائي غني بالبروتين وعالي الدسم.

لم تكن الأمور سهلة، فالحياة كانت صعبة جسديا و”أمنيًا”، فالبشر كانوا مهددين بالعوامل الجوية والأمراض المعدية، والحيوانات المفترسة التي قد تطاردهم لتقتات عليهم، أو يطاردونها ليقتاتوا عليها، وفي الحالتين كانت الأوضاع خطيرة.

إحدى أهم التطورات كانت استعمال النار، التي مكنت البشر من طبخ الغذاء وتحويله لصورة أسهل في الأكل. ويعتقد أن استعمال البشر للنار كان له علاقة مع انخفاض حجم الأسنان، التي لم تعد بحاجة لتكون أكبر حتى تقطع الغذاء الخام أو اللحم النيء الصعب المضغ، وأيضًا ارتبطت النار مع تراجع طول الأمعاء، نتيجة أن الطبخ يجعل الطعام أسهل هضمًا.

قبل 300 ألف عام كان أسلافنا يقتاتون على ما يجدونه من ثمار أو نباتات وما يصطادونه من حيوانات برية (الجزيرة مباشر)
الدرنات

إحدى أهم الأغذية التي تناولها أسلافنا هي الدرنات، والدرنة هو جزء من النبات يتضخم ليصبح مخزنًا للمغذيات، ومن أشهر الدرنات البطاطا والبطاطا الحلوة والكاسافا، والتي تعد مصدرًا مهما للكربوهيدرات، والتي منها النشا.

امتلك أسلافنا ميزة وهي قدرتهم على هضم الأغذية المطبوخة التي تحتوي النشا، مثل البطاطا المطهوة.

الدرنات مثلت غذاء جيدًا للبشر، لأنها كانت بشكل عام متوافرة نسبيًا، ولا تحتاج الصيد بما يتضمنه من خطر وجهد كبير، كما أنها كانت مصدرًا جيدًا للسعرات الحرارية. مع الإشارة هنا إلى أن تناول الدرنات ارتبط باستعمال النار، لأن الطهي كان ضروريًا لاستهلاك الدرنات كالبطاطا مثلا.

مع مرور الزمن وسع البشر غذاءهم ليشمل مجموعة واسعة من الحيوانات والأسماك، وهذا يعد تحولا إلى نظام غذائي أفضل.

الزراعة واستئناس الحيوانات

استمر البشر منذ 300 ألف عام وحتى قبل 11 ألف عام كصيادين وجامعي ثمار، وعند التاريخ الأخير بدأ البشر بالزراعة واستئناس الحيوانات.

هذا التغيير أدى إلى إدارة واستغلال البشر للنباتات والحيوانات بشكل أفضل، مما قاده إلى نشوء الاقتصادات الزراعية وتطور المجتمعات الحضرية.

انتقل البشر من تناول النباتات والحيوانات البرية إلى الاعتماد على أغذية نباتية نجحوا في زراعتها، مثل الذرة والشعير والقمح والأرز، ونجح المزارعون في تخزين الحبوب خلال فصل الشتاء لإطعام أسرهم، وهذا أدى إلى زيادة عدد السكان.

بالمقابل تشير مصادر علمية إلى أن هذا التحول الغذائي من نمط تغذية “الصيادين وجامعي الثمار” إلى التغذية على الزراعة والحيوانات المدجنة، أدى إلى مشاكل، فمثلًا أصبحت الوجبات الغذائية للمزارعين أقل تنوعًا بكثير مقارنة بالنظام الغذائي للصيادين، لأن المزارعين ركزوا على أنواع محدودة من المزروعات.

وتشير معطيات تاريخية إلى أن مجتمع الصيادين وجامعي الثمار كانت صحتهم أفضل من نظرائهم من المزارعين. ومع ذلك تناول الصيادون كمية أقل من اللحوم لأنهم كانوا يعتمدون على الصيد. في المقابل كان المزارعون يستطيعون الوصول بشكل أسهل إلى كميات أكبر من اللحوم من مواشيهم التي يربونها.

قبل 11 ألف عامًا حدث تغير في طعامهم، حيث بدأ البشر بالزراعة واستئناس الحيوانات (الجزيرة مباشر)
اللحوم

اللحوم لعبت ومازالت تلعب دورًا مهما في تغذية البشر، فهي تحتوي على محتوى عالٍ من السعرات الحرارية، وتوفر البروتينات والحديد والزنك والفيتامينات وغيرها من المكونات الغذائية المهمة.

ونحن كبشر لدينا قدرة كبيرة على تحمل آثار الدهون والكوليسترول الموجودة في اللحوم، فمثلا إذا أطعمت غوريلا نظامًا غذائيًا قد يأكله رجل غربي فإن هذا الغوريلا سيموت في العشرينات من عمره، ولن يعيش حتى عمره المتوقع وهو 50 عامًا، فجسم الغوريلا لا يستطيع التعامل مع هذا النوع من النظام الغذائي، على عكسنا كبشر.

الزراعة غيرت عادات الأكل عند الإنسان بشكل هائل، إذ سمحت له تربية الحيوانات بمواصلة تناول اللحوم بينما سمحت له التنمية الزراعية بزراعة طعامه وإنتاج الحبوب مثل القمح، الجاودار، الشعير، وفي وقت لاحق البقوليات مثل العدس والبازلاء، وأخيرا الخضروات والفواكه.

الزراعة وتربية المواشي غيرت عادات الأكل عند الإنسان بشكل هائل (الجزيرة مباشر)
بين الصيادين والمزارعين

للوهلة الأولى نتوقع أن تتحسن صحة البشر بعد بدء الزراعة، ولكن يعتقد أن العكس قد حدث، فمقارنة مع تغذية الصيادين وجامعي الطعام فإن المزارعين كانت تغذيتهم أقل تنوعًا. التفسير هو أن المزارع يستطيع تربية عدد قليل جدًا من الحيوانات، وأيضًا يمكنه زراعة أنواع قليلة من النباتات، وهذا قلل تنوع ما يأكله الشخص.

يعتقد أيضًا أن هذا التغيير أدى إلى نتائج سلبية على صحة البشر، إذ نتيجة الميل إلى زراعة محصول واحد، أصبحت وجبات البشر ناقصة ولا تضم كل المغذيات، مما أدى إلى تراجع متوسط العمر المتوقع، كما تشير بعض المصادر إلى أن هذا أثر على بنية البشر الجسمانية، وأصبح الإنسان أقصر.

أيضًا يجب الانتباه إلى أن الزراعة وتربية الحيوانات كانت تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا ومستمرًا، أكثر بكثير من جهد البحث عن الطعام والطرائد الذي كان يمارسه البشر الصيادون وجامعو الثمار Hunter-gatherer.

أدى ظهور الزراعة وتربية الماشية إلى حاجة الأفراد والمجتمعات لتطوير سياسات تراعي الإنتاجية، فمثلًا بدأ المزارعون -خوفًا من عدم حصولهم على ما يكفي من الطعام- بمحاولة إنتاج أكثر مما يحتاجون إليه بالفعل، ولهذا الغرض، بدؤوا في توظيف عمال أكثر.

الثورة الزراعية ترافقت مع زيادة المواليد، والحاجة لمزيد من العمال، مما خلق حلقة مفرغة من النمو السكاني لتوفير الغذاء اللازم لإطعام النمو السكاني، وهذه الآلية ربما نجحت في أوقات الوفرة، لكنها انتهت بحدوث مجاعات في سنوات الجفاف.

اختلفت أنماط التغذية من بلد لآخر، وفي الحلقة القادمة نأخذكم في جولة للتعرف على أنماط الغذاء في بعض البلدان خلال فترة ما بعد الزراعة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان