أخبار سيئة للأذكياء: كلما كان ذهنك أنشط كلما قلّ عمرك

صورة أرشيفية

جاء غلامُ صغير إلى أبي العلاء المعري في مجلسه، فقال له: أأنت القائل: إني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُه لآتٍ بما لا تستطعه الأوائل.

فقال أبو العلاء: نعم. فقال له الغلام، فإن العرب قد جاءت بثمانية وعشرين حرفًا فزد عليها إن كنتَ صادقًا، وأتِ بالحرف التاسع والعشرين. فبُهت أبو العلاء ولم يعرف كيف يجيب. ومرّت الأيام، ثم سأل أبو العلاء عن الغلام. فقيل له: قد مات. فقال أبو العلاء: قتله ذكاؤه.
فما معنى هذا؟ وكيف يقتلُ الذكاء صاحبه؟ سنشرح لك بعد قصة أخرى.

وقف أبو تمام بين يدي الخليفة وهو شاب صغير، وأنشده قصيدة يمدحه فيها ويطلب جائزة يعيش منها.

فقال يصف الخليفة:
إقدامُ عمرو في سماحةِ حاتمٍ  في حلم أحنف في ذكاء إياسِ

أراد أن يشبّه الخليفة بشجاعة عمرو بن معد يكرب وكرم حاتم الطائي وحِلم الأحنف بن قيس، وذكاء إياس بن معاوية.

وقبل أن يكمل قصيدته، قام بعض أعداء الشاعر في بلاط الخليفة مقاطعًا له وقال: ما زدتَ أن شبهت أمير المؤمنين بمن هم أقلّ رتبةً منه.

فسكت أبو تمام لحظة، ثم ارتجل بيتين على البديهة يكمل بها البيت الأول:

لا تنكروا ضربي له من دونه  مثلًا شرودًا في الندى والباسِ

فالله قد ضربَ الأقلَّ لنورِه   مثلًا من المشكاة والنبراسِ

تمثّل أبو تمام قوله تعالى (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة). فالله -عز وجل- لم يستح أن يضرب مثلا لنوره بالمشكاة (المصباح) والنبراس (الفتيلة) وهما أدنى منه وأقل.

فقال أحد الحضور من الفلاسفة، وقد أعُجب بذكاء أبي تمام وسرعة بديهته. إن هذا الشاب لا يعيش طويلًا ويموت شابًا. فقيل له كيف عرفت هذا؟ فقال الفيلسوف: رأيت فيه حدةً وذكاءً فعلمتُ أنهما تأكلان من جسمه كما يأكل السيفُ من غمده. فمات أبو تمام بعد الأربعين بقليل.

فما حظ هذا الكلام من البحث العلمي اليوم؟ وهل لفرط الذكاء والنشاط الذهني علاقة في مدة عيش الإنسان؟ وهل يأكل الذكاء جسم صاحبه ويتلفه؟

النشاط العصبي المفرط

نشرت مجلة nature العلمية ورقةً بحثية مؤخرًا تشير إلى أن النشاط العصبي المفرط في الدماغ يرتبط بقصر العمر لدى الإنسان.

لم تكن النتائج مستغربة لدى العلماء فثمة علاقة معروفة لديهم مسبقًا بارتباط الآلية التي تتحكم في إثارة الدماغ بالآلية التي تتحكم في عملية الأيض، والتي كانت مرتبطة منذ فترة طويلة بتحديد العمر الافتراضي للإنسان، كما يقول الدكتور بروس يانكر، الباحث المشارك في الدراسة، وأستاذ علم الوراثة وعلم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد.

لكن المفاجئ لهم كانت حقيقة أن قلة نشاط الدماغ مرتبطة بطول العمر وبدا لهم أن الاكتشاف “غير بديهي” كما يقول يانكر، فمن المفترض أن يرتبط الدماغ النشيط بصحة أفضل وحيوية أفضل.

بعد أن فحص يانكر وزملاؤه أنسجة المخ لمئات من البشر المتوفين، مصنفة حسب عمرهم، وجدوا أن أنسجة أولئك الذين عاشوا حياة أطول، وماتوا في عمر 90 أو 100، تشير إلى أنهم عانوا من نشاط عصبي أقل من أولئك الذين لقوا حتفهم في فئة 70 و80 سنة.

وحاول يانكر تفسير هذا بقوله “أحد التفسيرات المحتملة هو أن هذا النتيجة لها ارتباط بكون الناس مع تقدمهم في العمر، تبطئ أدمغتهم”.

أما أولئك الذين ماتوا في سن مبكرة، فقد خمّن الباحثون، أنهم ربما ماتوا ببساطة لأسباب لا علاقة لها بالنشاط العصبي.

ولكن هذه التخمينات ليست كافية لبناء نظرية، وما ينبغي فحصه هو تأثير النشاط الذهني على مدة الحياة، ولعدم توفر الإمكانية لفحص هذا على الأحياء من البشر، فقد تحول الباحثون إلى الديدان، والتي كانت تستخدم غالبًا في الأبحاث القديمة بسبب قصر أعمارهم في الدراسات المتعلقة بمدة الحياة.

ما وجدوه جراء الفحص كان مذهلًا. باستخدام التصوير الدماغي، رأوا أن النشاط العصبي للديدان يزداد مع تقدمها في العمر، وعندما أعطى الباحثون للديدان دواء من شأنه أن يهدئ هذا النشاط، عاشت الديدان فترة أطول، وعندما أخذ الباحثون بتحفيز وتنشيط الخلايا العصبية للديدان، ماتت بشكل أسرع.

يقول يانكر”لم يكن أثر التنشيط للخلايا أمرًا هامشيًا، بدا أنه كان تأثيرًا أساسيًا”، وبعد أن أعيدت التجربة على الفئران، أظهرت الاختبارات آثارًا مماثلة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان