“المسيحي الأخير”.. قداس على أصداء الاغتراب [فيديو]

سؤالان كبيران ترددا على الصفحات الأدبية والإعلامية طيلة الأسابيع المنصرمة بعد صدور رواية “المسيحي الأخير” للكاتب الفلسطيني هاني السالمي.

مثل هاني السالمي مجموعة أسئلة متعددة للزمن الغزاوي المتموج بين بحار من حب الحياة والتشبث بمعانيها بين قصف دائم يستهدف الحياة في كل تفاصيلها، مهاجرون وذكريات وشجون وترانيم وقداسات متعددة عبرت اللغة واجتازت معابر السرد من خلال “المسيحي الأخير” الصادر للكاتب الفلسطيني هاني السالمي.

 هاني السالمي ليس مجرد روائي يعيد صياغة الزمن والأحداث قبل أن يعجن منهما طينة جديدة تبدع عالما وعلاقات وأسئلة ومستقبلا تائها في بحار السرد الشيق والأخاذ.
ليس السالمي كل هذا فحسب بل هو قصة أخرى لمأساة الأدب والكتابة في العالم العربي وخصوصا في فلسطين التي تمثل رواية مفتوحة على عوالم الألم والحب والشهادة.

مأساة الأدب

السالمي سؤال كبير عن مأساة الأدب حينما لا يسمن ولا يغني من جوع، حين تعجز الكتابة التي تقتات من رئة الزمن والعمر والأحداث ومن اللغة التي هي شريان الأديب عن أن تغير لون الماء إلى القهوي الأخاذ، هكذا إذا تتداخل المأساة بين الكاتب والرواية.

في نصه الجديد الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية يسافر السالمي عبر مواويل وقداسات المسيحيين في معاناتهم مع حبل الهجرة الذي يمتد إليهم من آفاق متعددة.
يصرخ الكاتب عبر حناجر الحروف الظمأى إلى قهوة ومداد، منبها إلى ظاهرة ديمغرافية مقلقلة في غزة، وهو رحيل وهجرة أتباع المسيح عليه السلام ليمارسوا رحلة شتات خاصة بهم تضيف إلى الشتات الفلسطيني خصوصية دينية في عمومية الألم والشوق والاغتراب التي كانت أبرز ملامحه.

المسيحي المدفون في مقبرة التاريخ

تقوم فكرة رواية “المسيحي الأخير” على ثنائية لماذا يهاجر المسيحيون من غزة؟، وكيف يمكن إقناعهم بالبقاء في الوطن الغزاوي؟، وفي حواره مع المسيحي الأخير الذي حمل اسم ميشال عواد يستنفد الكاتب طاقات اللغة ومواهب الإقناع من أجل إقناع آخر أبناء مريم المجدلاوية بالبقاء في غزة.

بالنسبة للكاتب وفي سرده المطول والمتعدد المداخل والوسائط يجد في بقاء ذلك المسيحي الأخير في غزة عبقا للمكان والزمان والإنسان.

في إحدى الحواريات الطويلة يفتح الكاتب للمسيحي نافذة على الكون يريد أن يريه ذاته لأنه في غزة أفضل منه في البحر، لأنه في غزة يمثل رائحة السماء ونبع الأرض وأحاديث الجدات ورنين المواويل الغزاوية، يمثل صوتا من الأرض التي لا ينبغي أن يغادرها.

يعمل الكاتب في رحلة الإقناع الممتدة على صفحات الرواية، على توفير كل سبل البقاء للمسيحي الأخير، يعيد تعميده من جديد لعل رئته تتنفس بهواء جديد غير ذلك القادم من وراء الأمواج والداعي إلى ركوب زوارق الهجرة.

يقيم الكاتب من لبنات الكلمات وطين السرد منزلا غزاويا رائعا للمسيحي الأخير، ويستخرج له من أكاليل الحرف حبيبة تريد أن تقاسمه الهم والأشواق وتملأ عليه البيت سعادة وهناء.

ولكن المسيحي الأخير يتشبث بحبل الهجرة، وفي النهاية لم يعد من حل أمام الكاتب غير قتل المسيحي الأخير، وحبسه داخل قبر مفعم بالذكريات والرغبة والغربة في مقبرة الجنود الإنجليز.

وضع المسيحيين في غزة

في رحلة الإمتاع والإقناع ركب الكاتب السالمي الإحصائيات والمعلومات المتدفقة بشأن وضعية المسيحيين في غزة الذين يمارسون الهجرة بشكل غير مسبوق يستنزف التنوع الديني في القطاع المحاصر.

وقد نالت الرواية تقدير وثناء عدد كبير من النقاد العرب، كما نالت النفس العصامية التي تمتع بها الكاتب ثناء وتقديرا كبيرا، خصوصا أنه كاتب موهوب لم يسجن نفسه في بوتقة الأسطر العابرة للأفكار والأحداث، بقدر ما حول الحياة بصخبها وهدوئها وتناقضاتها إلى مادة دسمة للحياة ونبع ثري للكتابة المستمرة.

الموهبة الثائرة
هاني السالمي

هاني السالمي اسم فلسطيني مبدع ومناضل من أجل الحياة، دفعته الموهبة الثائرة إلى امتهان الكتابة، فالحروف ترفض السجن في بحار المداد أو توابيت الذاكرة، ودفعه الفقر إلى امتهان بيع القهوة في مدينة خانيوس بقطاع غزة.

وتتواصل الأرحام بين الكتابة والمقهى عند السالمي فالقهوة نبع الكتابة الأول، ورائحتها الزكية وشريان الكلمات الثائرة.

أصدر السالمي حتى الآن 12 كتابا، وحصل على عدة جوائز لأدب الطفل وأدب حملة الجنسية الفلسطينية في 2007 و2011 ونالت روايته “هذا الرصاص أحبه”، انتشارا وتوزيعا كبيرا.

بين الرصيف والقهوة يصنع الكاتب من خلال التقاط وإعادة رسم الحياة السائرة بدقة متناهية عالمه الروائي الذي يتوسع مع الزمن توسع محله الصغير لبيع القهوة في بلد يفطر على الشهادة والألم كل يوم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان