“لا تكن أنت وكورونا والمراهقة على ابنك”.. وصايا الخبراء للأبوين

يمر المراهق الآن بأوقات عصيبة، فهو من ناحية يعاني من تغيرات جسدية ونفسية، ومن ناحية أخرى انقطع عن لقاء أصدقائه وعائلته، وتعطلت دراسته، وأغلق ناديه، وحبيس بالبيت في ظل أزمة كورونا.

وقد يعاني من صعوبات في التعلم عن بعد، ويضطر إلى التأقلم مع عمل أمه أو أبيه من المنزل، وتزداد الاحتكاكات والانتقادات إليه من والديه لأنه يجلس على الإنترنت أكثر مما ينبغي أو يأكل أقل أو أكثر من المعتاد، وتحتدم الخلافات معه في الوقت الذي تحتاج فيه الأسرة إلى السكينة والأمان العاطفي لتجاوز هذه المحنة.

مراهقون يتحدثون

يعاني عمر (12 ساعة) نفسيا من توقفه عن لعب معشوقته كرة القدم، فعلى مدار السنوات الثلاث الأخيرة يبذل جهدا مضاعفا للحافظ على لياقته واكتساب بنية عضلية، ويشعر أنه يخسر لياقته مع الوقت بسبب بقائه في المنزل.

وعند سؤاله عن التمارين المنزلية، قال إنها غير كافية بالمرة، ولا يستطيع أن يمارسها بنفس كفاءة نجومه المفضلين مثل محمد صلاح، وميسي، ورونالدو، لأن بيوتهم كبيرة ولديهم أجهزة رياضية، أما بيته فلا يحتوي على حديقة كحدائقهم. والشيء الأخير الذي يؤكده باستمرار، أنه يشعر بالملل ويريد فقط أن يلعب مع أصدقائه كرة القدم، فهذه غايته التي لا يعلم متى ستدرك!

وتشتكي سهيلة (15 سنة) من تحميلها بعض أعباء البيت وبخاصة في شهر رمضان بسبب طول المكوث في المنزل، كما أنها تفتقد لقاء صديقاتها بشدة، وتتمنى لو تقل الإجراءات الوقائية لتعود إلى المدرسة وتخرج مع رفيقاتها.

ويشير علي (14 عاما) إلى أن روتينه اليومي يتنوع ما بين الأنشطة المدرسية واللعب الإلكتروني، ولم يمل من الجلوس في البيت، بالعكس يصنع عالمه في غرفته، ويلعب بلا حدود، ويتواصل مع أصدقائه أثناء اللعب أون لاين. أحيانا يلومه أحد أبويه بسبب انكفائه على البلاي ستيشن ويوتيوب، ويعدهم بأن يفرغ نفسه للقراءة.

وجود الأسرة طوال الوقت في البيت قد يؤدي لزيادة النقاشات الحادة مع المراهقين (غيتي)
طفل يبحث عن رجولته

“المراهق هو طفل يبحث عن رجولته” هكذا يعبر باختصار د. مصطفى أبو السعد في كتابه “مراهقون مزعجون” عن المعاناة النفسية التي تعتري الطفل في فترة المراهقة، وضاعفت أزمة كورونا معاناته، وزادت عصبية وانفعال بعض الآباء والأمهات من الطينة بلة.

وأوضح د. مصطفى أبو السعد أن المراهقة في لغتنا العربية ترجع إلى الفعل “راهق” والذي يعني “دنا واقترب”، فاصطلاح المراهقة من جهة اللغة يعني مرحلة الابتعاد عن الطفولة، والاقتراب من مرحلة الرشد.

وأضاف أنها مرحلة تتميز بالصراع الداخلي، لأنها تشهد تغيرات في النمو الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي، كما أنها مرحلة انتقال وحيرة وتغير فسيولوجي، وفيها تختلط المشاعر والانفعالات السريعة، وتظهر على المراهق أعراض مختلفة، كالتمرد وسرعة الغضب والميل إلى العنف.

يعاني المراهقون من ضغوط نفسية مضاعفة في أزمة كورونا (غيتي)
أزمات ما قبل كورونا

يحكي أحمد (أب لأربعة أبناء) عن تجربته معهم “عندي ولدين في سن المراهقة، وأكثر المشكلات التي تواجهني قبل وبعد أزمة الكورونا، هي العناد والمزاج المتقلب، وعدم الاستقرار على اتجاه أو هدف معين”.

وأضاف “الأمر الثاني الذي يرهقني كأب هو تأثير العوامل الخارجية كالإنترنت والأصدقاء، وحاليا في العزل المنزلي يعتمدون على التواصل الإلكتروني ويتعرفون على أصدقاء جدد لا نعرف عنهم شيئا ولا عن بيئتهم الاجتماعية، وعندما أبدي قلقي من هذه الصداقات أبدو أمامهم ضيق الأفق، ولا أعلم شيئا عن حياتهم وعصرهم، وبالتالي لا يستمعان إليّ، وكأنني من كوكب آخر”.

وتوضح الاستشارية الأسرية فاطمة المهدي – في تصريحات لموقع الجزيرة مباشر- ضرورة فهم العند في إطار المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل أو المراهق، وهو دلالة إيجابية على بدء تكوين شخصية مستقلة، ونمو شخصيته.

وبينت أن من أسباب العند عند المراهق، محاولته إثبات شخصيته، لأن مرحلة المراهقة هي مرحلة أزمة، يعاني فيها المراهق من أزمة الهوية، ويريد أن يثبت نفسه: هل هو طفل أم رجل مسؤول.. وهل هي طفلة أم أنثى مكتملة الأنوثة؟ .. وعادة ما يعطي الوالدان رسائل متناقضة للمراهق: “أنت رجل البيت لأن أبيك مسافر” وعندما يطلب فعل شيء ما بنفسه: يرفضا مبررين: “أنت ما زلت صغيرا”.

وأوضحت أن التعامل مع المراهق يتطلب الحذر والحكمة الشديدة والتحلي بالمرونة، وينبغي النقاش معه وخاصة عندما يرغب في كسر قواعد البيت، ونحمله مسؤولية بعض القرارات كي ينمي شخصيته وإحساسه بالمسؤولية، تجاه نفسه والآخرين، ويجب السماح له بإبداء رأيه، لتنمية تفكيره النقدي.

مشاركة المراهقين في الأعمال المنزلية يعودهم على تحمل المسؤولية ويسليهم (غيتي)
حلول عملية لأزمة كورونا

ترى ربى قرجولي مستشارة تربوية وأخصائية تدريب وتطوير – في لقاء مع موقع الجزيرة مباشر – أن أزمة كورونا كشفت لنا الفجوات والثغرات الكبيرة في التواصل الاجتماعي بين أفراد العائلة. فقد امتطى فجأة كل أفراد العائلة نفس المطية، وحلوا بنفس المكان ليكتشفوا أنهم باقترابهم من بعضهم البعض في المنزل، يعيشون تباعدا عاطفيا واجتماعيا وعائليا من قبل زمن الكورونا.

وأوضحت أن العلاقات ما قبل الأزمة انعكست على علاقة المراهق بأهله خلال العزل المنزلي، وقلة من الآباء والأمهات من يحاولون تدارك الأمر وإعادة التوازن إلى البيت.

وبينت أن المراهقين قد تعاملوا مع الأخبار عن  الأزمة بمنظورين؛ فمنهم من نحا إلى الرعب والهلع والقلق تخوفا من أن تطول الأزمة،وتؤثر سلبيا في  حياتهم وزاد من وطأة الأمر قلق أولياء الأمور.

أما الفريق الآخر فقد احتمى بميكانزيم “اللامبالاة”، ولم يعر الأزمة اهتمامه، ويجادل مع أمه في في ضرورة الخروج للعب، ولا يكترث للإجراءات الاحترازية، لأنه اعتاد على التحدي وكسر القوانين، وكأنه لا يخشى شيئا ولا يخضع لسلطة.

وترى أن الوالدين يستطيعان تصحيح مسار العلاقة من خلال الاستماع للابن، والحرص على مناقشته بصبر ولطف، واحترام خصوصيته ووقته الخاص، وتخصيص أوقات عائلية للمرح، والمشاركة في أداء العبادات، مثل صلاة التراويح جماعة بالمنزل، وتكليفه ببعض المهام التي تشغله وتشعره بتحمل المسؤولية، والاستعانة بالله أولا وآخيراً خاصة في هذا الشهر الفضيل، ومواصلة الدعاء بأن يربي الله لنا الأبناء ويعيننا على حمل هذه الأمانة.

ربى قرجولي مستشارة تربوية وأخصائية تدريب وتطوير
التغافل والتحفيز

نشر د. بيتر جاكسون طبيب نفسي للأطفال والمراهقين في المركز الطبي بجامعة فيرمونت الإيطالية مقالا له على موقع الجامعة، عن نصائح للتعامل مع المراهقين المعزولين في المنزل بعيدا عن الحياة الاجتماعية، ومنها:

  • التفهم: ينبغي أن يتفهم الأبوان مشاعر المراهق في هذه المرحلة، لأنهم يشعرون بالإحباط بسبب تقييدهم في تحركاتهم واضطرارهم إلى البقاء في المنزل تحت نفس السقف مع أسرهم طوال اليوم وكل يوم، وافتقادهم للقاء واللعب مع أصدقائهم.
  • مساعدتهم على الحفاظ على الروتين رغم عنادهم ومقاتلتهم لكسر كل القيود على أوقات اللعب، ومواعيد النوم، القيام بالمسؤوليات والالتزامات اليومية.
  • اتباع أسلوب التحفيز وليس اللوم والتخويف.
  • دعم استقلاليتهم في التعلم عن بعد، تقديم الدعم وقت الحاجة، ولكن تكليفهم بالاعتماد على أنفسهم في الدراسة.
  • منحهم الأمل والأمان مع الالتزام بالصدق: سيتساءل المراهقون عن المستقبل، متى تنتهي الأزمة؟ ومتى يستأنفوا الأنشطة الرياضية؟ جاوبهم بصدق أنك لا تعلم، ولكن امنحهم الأمل والاطمئنان.

ويوصي موقع “تونتي تو وردز” الوالدين بالتغافل في التعامل مع أبنائهم المراهقين، في ظل الأزمة الراهنة، لأن جميع أفراد الأسرة مضغوطون، ولا داع لخوض نقاشات حامية في الأمور البسيطة، ومن مصلحة الجميع البحث عن السلام قدر الإمكان.

وأشار إلى أن المراهقين قد يمرون بأيام سيئة خاصة مع تبدل حياتهم في الاونة الأخيرة، وينبغي على الوالدين أن يتركا لأطفالهما مساحة خاصة للتعبير عن أنفسهم، فقد ينفعلون لأتفه الأسباب، وقد يتركون شعرهم يزداد طولا أكثر من اللازم.

اقرأ أيضا:

كم حضنا وقبلة يحتاجها طفلك يوميا؟ ولماذا يرفض المراهق العناق؟

أحدب وشاحب وذو كرش.. تعرف على شكل مدمن الألعاب الإلكترونية عام 2040

بدون ضرب.. كيف تؤدب ابنك “العنيد”؟

حتى لا تصيب ابنك بالفزع.. نصائح نفسية لشرح أزمة كورونا للأطفال

بدون معدات أو أجهزة.. كيف تحول غرفتك إلى صالة رياضية؟ 

رمضان في البيت.. من يؤم صلاة التراويح؟

أسئلة الطفل الجنسية.. متى وكيف يجيب الوالدان؟

ماذا تفعل إذا وجدت ابنك يشاهد مواقع إباحية؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان