ما مصير متحف التحرير في مصر بعد رحيل المومياوات وتوت عنخ آمون؟

مع رحيل تمثال “توت عنخ آمون” ليستقر أخيرا في المتحف الكبير عند أهرامات الجيزة، وقبل ذلك في عام 2021 عندما غادرت أشهر المومياوات نحو متحف الحضارات في القاهرة القديمة، بات مصير المتحف القومي المطل على ميدان التحرير بقلب العاصمة محلا لمزيد من الجدل.
على غير المتوقع، وعند بوابات الدخول يتزاحم المصريون والأجانب في رد عملي على تلك التساؤلات، حسب ما يقول حامد عبد الغني مسؤول الإرشاد بالمتحف للجزيرة مباشر، مؤكدا أن أعداد الزائرين في تزايد مستمر رغم انتقال العديد من القطع الأثرية الشهيرة للمتحف الكبير الذي افتُتح أخيرا عند سفح الأهرام.
وأشار عبد الغني إلى أن متحف التحرير لا يزال يحتفظ بعشرات الآلاف من القطع المهمة والثمينة، موضحا أن المبنى العتيق يضم بين جدرانه 170 ألف قطعة نادرة. ونفى أي توجه لتحويل المبنى إلى مجرد “مخزن للآثار”، مشيرا إلى “حالة من التكامل مع “الابن العملاق”، في إشارة إلى المتحف الكبير الذي يتمدد على مساحة 500 ألف متر مربع، ويشهد إقبالا متزايدا.
ومنذ اللحظة الأولى لعبور بوابات الدخول الشديدة التأمين، تبرز المقارنة مع المتحف الكبير وكذلك متحف الحضارات بمنطقة الفسطاط، حسب ما يقول فوميو ساكا -سائح ياباني درس اللغة العربية- موضحا أنه حرص مع زوجته على زيارة المتاحف الثلاثة. ووصف تاريخ مصر بالتنوع والعراقة، قائلا إنه اعتاد زيارة متحف التحرير الأقدم والأفضل، على حد تعبيره.

وأضاف أن رحيل المومياوات و”الملك توت” لم يُفقدا المكان روعته، على حد وصفه، لكنه اشتكى من الزحام المحيط بالمنطقة. وأضاف “نفتقد هنا في التحرير الملك توت عنخ آمون. نفتقد الفرعون الذهبي”. لكن السائح الياباني استدرك قائلا “في المتحف الكبير تُعرض أول مرة المجموعة الكاملة للفرعون الذهبي التي تفوق 5 آلاف قطعة، في مكان واحد، منذ اكتشاف المقبرة عام 1922”.
ويرى حسام زايد، الباحث المتخصص في علوم الآثار، أن الانتقال إلى المتحف الكبير كان قرارا صائبا، مشيرا في حديثه للجزيرة مباشر إلى أنه لا يمانع نقل ما تبقى من قطع، مع البدء بدراسة تحويل نشاط المبنى إلى دراسة “علوم المصريات”، طبقا لمقترح وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني. وأوضح أن وجود متحف التحرير في قلب زحام القاهرة يُفقده الكثير من الأهمية، ويعوق الاستفادة من عوائده السياحية.
ضمن قائمة التراث العالمية
في المقابل، يرى محمد الزيني الطالب بكلية الآثار في جامعة القاهرة أن المبنى لا يصلح إلا أن يكون متحفا فقط، قائلا للجزيرة مباشر “الجدران فقط تُعَد من الآثار”. وأوضح أن المبنى أنشئ بالأساس ليكون متحفا، بخلاف العديد من متاحف العالم التي كانت بالأساس مجرد قصر أو مبنى سكني ثم تحوَّل لاحقا إلى متحف.
وثمَّن جهود الحكومة المصرية لتسجيل المتحف على قائمة التراث العالمي. وأضاف “متحف التحرير يحتفظ حاليا بكنوز أثرية لا حصر لها” تمثل فترات تاريخية مهمة للحضارة المصرية القديمة، بداية من الدولة القديمة والوسطى والحديثة، إلى جانب قطع ثمينة من العصرين اليوناني والروماني.

وحرصت وزارة السياحة المصرية على إبراز الإقبال المتزايد على زيارة المتحف القديم، وتحدثت عن ازدحام شديد من جانب الزوار.
وتوقع أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف الكبير، ألا يؤثر افتتاح المتحف الجديد سلبا على القديم أو متحف الفسطاط، موضحا في تصريح صحفي أن “لكل متحف تجربة مختلفة”. ولفت إلى أن جميع البرامج السياحية ستشمل زيارة المتاحف الثلاثة.
المتحف الأم
ويوصف متحف التحرير بأنه “المتحف الأم”، فقد افتُتح في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1902 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، وهو أيضا أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وأول مبنى ينشأ في العالم بغرض أن يكون بالأساس متحفا فقط، بحسب موقع وزارة السياحة والآثار.
وفي إبريل/نيسان عام 2021، انضم المتحف إلى القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التي تضعها لجنة التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، وهو الشهر نفسه الذي شهد رحيل أبرز مقتنياته، وهي المومياوات الملكية، لتستقر في متحف الحضارة بمنطقة الفسطاط بقلب القاهرة القديمة.
وتعود فكرة إنشاء متحف للآثار المصرية في مصر إلى محمد علي باشا الذي كان حاكم مصر (1805-1848) حيث أصدر مرسوما في 15 أغسطس/آب 1835 في محاولة لوقف تهريب الآثار.

ويحتوي المتحف على نحو 100 قاعة عرض، وبُني على مساحة بلغت 15 ألف متر مربع، وحظي بأكثر من 100 مليون زائر منذ البناء الذي صممه المعماري الفرنسي مارسيل دورنيون. وبلغت التكلفة في ذلك الوقت 240 ألف جنيه مصري.
وطبقا لمركز معلومات مجلس الوزراء المصري، كانت الآثار مكدَّسة بقصر الخديوي إسماعيل حتى أعلنت وزارة الأشغال العامة عام 1895 عن مسابقة دولية لتصميم متحف مصري جديد ومنح جائزة قدرها 1000 جنيه مصري للفائز. (الجنيه المصري كان يعادل 7 غرامات من الذهب تقريبا). وكان من المقرر بناؤه في ميدان الإسماعيلية (ميدان التحرير حاليا) بين النيل وثكنات قصر النيل البريطانية.
وكان متحف التحرير ولا يزال حتى إشعار آخر محطة رئيسية لبرامج الشركات السياحية. وبادرت وزارة السياحة والآثار في أكثر من مناسبة إلى التأكيد على استمراره في أداء مهمته المتحفية بوصفه صرحا ثقافيا وحضاريا. وكشفت عن وجود مشروع لتطويره بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وتحالف يضم خمسة متاحف عالمية.
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية عن مدير متحف التحرير علي عبد الحليم أن المتحف أعد خطة متكاملة لجذب الزائرين، تشمل سيناريو عرض متحفي متميز، وربط المتحف بالتطوير الجاري في وسط القاهرة، ليكون عنصرا رئيسيا في برامج الزيارات للسائحين.
ويعلق حامد عبد الغني، مسؤول الإرشاد بمتحف التحرير، على دعوات التطوير قائلا إنها ضرورية للغاية، مشيرا إلى أن هناك كنوزا في المخازن يجب أن تخرج فورا لسد الفراغ الذي تركه الملك توت والمومياوات الملكية، وإلا قد سيختفي بريق متحف التحرير سريعا.