كيف تصنع موسيقى أفلام الرعب خوفا يلاحقك حتى بعد انتهاء العرض؟

يروى عن المخرج الأمريكي الشهير ألفريد هيتشكوك، الذي أخرج فيلم الجريمة الشهير “سايكو”، قوله إن “33% من المؤثرات في هذا الفيلم تعود إلى الموسيقى”.
وكان من المقرر في بداية التصوير أن يتم عرض مشهد القتل الشهير في الفيلم بدون موسيقى تصويرية، لكن الموسيقار بيرنارد هيرمان ابتدع المقطوعة الشهيرة التي أطلق عليها اسم “القتل”، التي امتزجت فيها صرخات الضحية مع ألحان آلة الكمان، وأحدثت حالة من التصاعد الدرامي جمعت بين الترقب والفزع، وتركت لدى المتفرج أثرا لا ينسى حتى بعد عشرات السنين من عرض الفيلم.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4أغمضي عينيك يا هند.. فيلم في السينما الهولندية يحاكي لحظات استشهاد الطفلة الفلسطينية
- list 2 of 4محمد خان.. الكاميرا تروي قصص الحرية
- list 3 of 4الدولة كمسرح: حين تتحول السلطة إلى مخرج للوهم العام
- list 4 of 4وفاة غامضة لمُرافق الدمية “أنابيل” التي ألهمت خيال منتجي أفلام الرعب
وأثبتت الدراسات أن موسيقى أفلام الرعب تنشط نظام الاستجابة للخطر في مخ الإنسان، إذ وجد خبراء علم النفس الصوتي أن بعض السمات الصوتية التي تتكرر في أفلام الرعب تبعث على الفزع في حد ذاتها، مثل صوت الصراخ، سواء كان صراخا بشريا أو بواسطة آلة موسيقية واحدة أو أكثر.
نقل أصوات الصراخ البشري
وتقول كاثلين تريفور الباحثة في مجال الإدراك الموسيقي بجامعة زيوريخ في سويسرا إنها وجدت بعد دراسة الموسيقى التصويرية في كثير من أفلام الرعب العالمية أن العديد من الإشارات الموسيقية في هذه الأعمال مشتقة في حقيقة الأمر من أصوات الصراخ البشري.
وخلال دراسة أجريت في وقت سابق هذا العام، توصل فريق بحثي إلى أن الأصوات الخشنة تنفذ مباشرة إلى المخ دون حواجز تعطل عملية الإدراك. فالاستماع إلى صوت صراخ، حتى لو كان صادرا من مسافة بعيدة، يقوم بتحفيز استجابة معينة في المخ حتى لو كان الشخص متعمقا في النوم.
ووجد الباحثون أن صوت الصراخ ينشط اللوزة الدماغية، وهي الجزء المسؤول عن التفاعل مع المواقف الخطرة لدى الإنسان، مما يؤدي إلى تفعيل سلسلة من الاستجابات التحذيرية لدى الجهاز العصبي في الجسم.
كما وجدوا أن الاستماع إلى صوت دوي قصير يجعل الشخص في العادة ينتفض، حيث تتخطى الإشارة العصبية مراكز القرار العليا في المخ وتعطي توجيها مباشرا إلى الجسم للتحرك من أجل تفادي الخطر.

إثارة شعور بالترقب
وفي مقابلة مع موقع “ساينتفيك أمريكان” المتخصص في الأبحاث العلمية، تقول تريفور إن موسيقى أفلام الرعب لا تهدف إلى إثارة الشعور بالفزع بشكل مباشر، بل إن ذروة الحدث في مشهد الرعب عادة ما يسبقها تحضير موسيقيّ يثير لدى المشاهد شعورا بالتوتر والترقب.
وشاركت تريفور في دراسة عام 2023 للمقارنة بين أنماط الموسيقى المختلفة في أفلام الرعب، ووجدت اختلافا واضحا بين الموسيقى المرعبة والموسيقى التي تبعث على القلق والترقب، حيث إن الموسيقى المرعبة عادة ما تكون صاخبة وخشنة ومكثفة، في حين أن الموسيقى التي تثير إحساسا بالترقب عادة ما تكون متنوعة ومتدرجة في إيقاعها، وتؤثر من الناحية البيولوجية في الجهاز العصبي للمستمع وتجعله جالسا على حافة مقعده من شدة القلق.
وترى سوزان روجرز الباحثة في مجال الإدراك الموسيقي بجامعة بيركلي الأمريكية أن “بعض الأصوات الموسيقية (في أفلام الرعب) تتشابه مع أصوات الخطر في العالم الفعلي”. وتوضح أن “مجرد الاستماع إلى صوت قعقعة منخفض مثلا يجعلنا نشعر بالفطرة بالتحفز لأنه ربما يكون إشارة إلى عاصفة أو زلزال أو تدافع أو أي حدث آخر ينذر بالخطر”.
تأثير الإيقاعات السريعة
وأضافت في تصريحات لموقع “ساينتفيك أمريكان” أن الاستماع إلى الإيقاعات السريعة، لاسيما تلك التي تشبه نبضات القلب، يجعل المشاهد في حالة ترقب. فقد اعتمد المخرج جون كاربنتر في فيلمه الشهير “هالوين” على نغمة موسيقية منخفضة، تشبه نبض القلب، ويستمر هذا الإيقاع المتكرر مع التصاعد الموسيقي خلال أحداث العنف في العمل.
وتقول تريفور إن “الإيقاعات الموسيقية التي يمكن التنبؤ بها تعطي شعورا بأن الأحداث تسير في اتجاه متوقع”، ولكن موسيقى أفلام الرعب تضفي شعورا بالترقب لأنه لا يمكن التنبؤ بإيقاعها، وهو ما يجعل المشاهد في حالة قلق مستمر، حيث كثيرا ما ينتفض عندما يستمع إلى إيقاع أو دوي مفاجئ.
وتضيف أن المؤلفين الموسيقيين يستخدمون أحيانا نغمات غير متوازنة أو منخفضة حتى لا يعتاد المتفرج على موسيقى الفيلم، وبالتالي يفقد الشعور بالخوف.
تحفيز مخ الإنسان للتنبؤ
وتعتقد روجرز أن مخ الإنسان هو جهاز للتنبؤ، وأنه يدخل في حالة من الهدوء إذا ما استمع إلى صوت رتيب أو متكرر، فالإنسان بطبيعته يفقد اهتمامه عند الاستماع إلى أصوات متكررة مثل محرك السيارة أو قطرات المطر.
وعلى سبيل المثال عندما ينصت الإنسان إلى صوت خطوات تصعد درجات السلم، فإن المخ يتنبأ بأن الخطوات سوف تستمر في الصعود حتى تصل إلى الطابق العلوي، ولكن إذا توقفت في منتصف الطريق، فإن المخ يتحول تلقائيا إلى حالة من الترقب. وتعرف هذه الظاهرة باسم “أخطاء التنبؤ” وهي التي تقوم بتنشيط اللوزة الدماغية والجزء المسؤول عن تكوين الذاكرة في المخ.
ويلجأ بعض مخرجي أفلام الرعب إلى تسجيلات قديمة بجودة سيئة، قد تبدو غريبة على أذن المتفرج العصري، حيث تترك لديه شعورا خاصا يمتزج فيه الغضب مع الضيق والقلق.
وتقول تريفور إن الفكرة من هذه الموسيقى هي أن يشعر المشاهد بأن شيئا ما ليس على ما يرام، وهذا في الحقيقة هو أمر مزعج على مستوى عميق داخل النفس البشرية.