كيف يؤثر الطلاق في الأطفال نفسيا واجتماعيا؟

إنفصال الوالدين يصيب الطفل بالتشتت (اسوشيتد برس)
انفصال الوالدين يصيب الطفل بالتشتت (أسوشيتد برس)

في إحدى زوايا غرفة صغيرة، يجلس طفل في الثامنة من عمره، يضم لعبته القديمة إلى صدره. يسأل والدته بصوت مرتجف “ماما، متى سيعود بابا؟” لا تجيب الأم، تحاول أن تبتسم، لكن عينيها تفضحان العجز والندم. هذه اللحظة الموجعة تختصر حكاية آلاف الأطفال الذين يواجهون الانفصال بين والديهم، في معركة لا صوت لهم فيها.

الطلاق ليس مجرد ورقة تُوقع، بل زلزال عاطفي يهز جدران البيت وقلوب الصغار. فحين يتفرق الشريكان، لا ينتهي الأمر عندهما، بل يبدأ صراع جديد داخل نفس طفل يفقد نصف عالمه، ويتعلم مبكرا أن الحب يمكن أن يتحول إلى وجع.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تشتت الوجدان

يصف المختصون النفسيون هذا الشعور بالانقسام الوجداني، حين يعيش الطفل بين حبين متناقضين: حب للأم التي احتضنته، وكراهية دفينة لأنها كانت سببا في حرمانه من والده.

يبدو الطفل متفهما أحيانا، لكنه في داخله يصرخ. فالأم التي تعتقد أنها تكسبه بتشويه صورة الأب، لا تدرك أنها تخسر روحه شيئا فشيئا. إنه “ارتباط المضطر” لا الحنان الحقيقي، ارتباط يترك في نفسه ندوبا لا تُشفى.

العزلة الصامتة

في المدرسة، يبدأ الاختلاف في الظهور. طفل الأسرة المنفصلة يحاول إخفاء “سره” الكبير. يتجنب الأسئلة، ينزوي عن أصدقائه، ويخفي حزنه بابتسامة متعبة.

يقول أحد المختصين الاجتماعيين “حال الطفل الذي يعيش الطلاق أصعب من حال اليتيم، لأن اليتيم يحزن في اتجاه واحد، أما طفل الطلاق فيُمزَّق بين الحب والكره والغضب والحنين”.

الخلافات الزوجية تنعكس سريعا على حياة الطفل
الخلافات الزوجية تنعكس سريعا على حياة الطفل

انهيار الصورة

وفي خضم الصراعات، ينهار النموذج الأبوي الذي كان مرجعا للأمان. يتبادل الوالدان الاتهامات أمام الطفل، وتشارك العائلة في إشعال نار الكراهية، معتقدة أنها تحميه.

لكن النتيجة تكون عكس ذلك تماما: يكبر الطفل حاملا صورة مشوهة عن والديه، يرى أحدهما ظالما والآخر ضحية، ولا يدرك أن كليهما سقطا في نظره نموذجين للحب والثقة.

فقدان الثقة بالنفس

يبدأ الطفل الذكر في التشكيك في رجولته حين يرى أباه يهان أو يُلعن، ويبدأ بالتساؤل “هل سأكون مثله؟”.

أما الطفلة فتخاف من أن تكون “امرأة سيئة” كوالدتها في رواية الأب، أو تخشى الزواج من رجل يشبهه.

يتحول هذا الصراع إلى أزمة ثقة بالنفس، تمتد إلى نظرتهم للحياة والعلاقات المستقبلية.

وفي كثير من الحالات، يفقد الطفل النموذج الذي يتعلم منه دوره الاجتماعي.

فالولد الذي يعيش مع أمه وحدها قد يبدأ بتقليدها لا شعوريا، فيكتسب سلوكا أنثويا، والفتاة التي تنشأ مع أبيها فقط قد تميل إلى التصرف “مسترجلة”.

هذه العلامات ليست قدرا، لكنها إشارات خطر يمكن تداركها بالمساندة النفسية والدعم الاجتماعي.

ما بعد الانكسار

علم النفس لا يصدر أحكاما نهائية، بل يفتح باب الأمل.

يمكن للوالدين أن يخففا الأثر عبر “الفراق بالمعروف”، بإبقاء الطفل خارج دوائر الصراع، واستشارة المختصين النفسيين قبل الانفصال أو بعده.

كما يمكن للمؤسسات التربوية والمجتمعية أن توفر بيئات آمنة تعيد إلى الطفل ثقته بالحياة، في المسجد، في النادي، في المكتبة، وفي المدرسة.

اضطرابات نفسية كثيرة يتعرض لها الطفل نتيجة الخلافات الزوجية
اضطرابات نفسية كثيرة يتعرض لها الطفل نتيجة الخلافات الزوجية

الطلاق ليس طوق نجاة

الطلاق أحيانا يكون ضرورة، لكنه يظل عملية مؤلمة لا يجب الاستهانة بها.

فوراء كل توقيع على ورقة الانفصال، هناك طفل ينام على وسادة نصفها دموع، ونصفها أسئلة بلا أجوبة.

إنه لا يفقد والدين فقط، بل يفقد جزءا من ذاته.

ومهما حاول الزمن أن يرمم الشقوق، تبقى آثارها شاهدة على بيت انكسر، وطفولة تبحث عن مأوى في قلب منقسم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان