40 مبنى ينهار سنويا.. ارتفاع منسوب البحر وتآكل الشواطئ يهددان مستقبل الإسكندرية العمراني

من شرفتها العالية في الطابق التاسع، والمطلة على البحر المتوسط، تقف إيمان مبروك كل صباح تنظر إلى الشاطئ الذي كان يوما ملعب طفولتها، لكن الرمال التي اعتادت أن تركض عليها تقلّصت إلى شريط ضيق، والبحر بات يقترب منها أكثر من أي وقت مضى.
“الرملة تآكلت جدا، يمكن حوالي 30% من المساحة القديمة اختفت”، تقول إيمان في شهادة تحمل مزيجا من الذكريات والقلق المتصاعد، ليس فقط على الشاطئ بل على حياتها اليومية وسلامة البناية التي تقطن فيها.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4شهد نكبة 1948.. مسن فلسطيني يروي مأساة الشتاء في خيام غزة (فيديو)
- list 2 of 4انهيار 17 منزلا وغرق نحو 90% من مراكز إيواء النازحين
- list 3 of 4“رجعنا 300 سنة للوراء”.. الأمطار تغرق منازل خان يونس المدمرة جزئيا مع المنخفض الجوي الجديد (فيديو)
- list 4 of 4الأمطار تُغرق مئات الخيام في مخيم الميناء غرب غزة وسط مناشدات عاجلة لإنقاذ النازحين (فيديو)
الإسكندرية، ثاني أكبر المدن المصرية، تبدو اليوم وكأنها تخوض معركة بقاء مع البحر. المباني تتصدع، الشواطئ تختفي، والمياه المالحة تتسلل إلى أساسات البيوت.
ومثل إيمان، يراقب السكان تراجع مدينتهم التاريخية وهم عاجزون عن إيقافه.
انهيارات صامتة
دراسة علمية حديثة كشفت أن الإسكندرية تشهد انهيار 40 مبنى سنويا، مقارنة بمتوسط مبنى واحد قبل 10 سنوات.
وفسّر الباحث المصري عصام حجي، المتخصص في علوم المياه بجامعة ساوثرن كاليفورنيا، هذه الظاهرة بأن “المباني تتآكل من الأسفل إلى الأعلى”، نتيجة تآكل السواحل وتسرب المياه المالحة بفعل ارتفاع حرارة مياه البحر وهبوط الأرض المستمر.
ووفقا للدراسة، فإن ساحل الإسكندرية يتراجع بمعدل 3.5 مترات سنويا، ما يجعل المدينة واحدة من أكثر مناطق البحر المتوسط عرضة للخطر.
لكن التأثير ليس مجرد أرقام. إيمان نفسها اضطرت قبل سنوات إلى مغادرة شقتها السابقة بسبب ميلان مفاجئ في المبنى، وقالت “كنا حاسين إن كل حاجة بتجري، كأن الأرض نفسها بتميل”.

بين الحواجز والهلع
الحكومة المصرية أقرت بخطورة الوضع وبدأت في اتخاذ إجراءات احترازية، أبرزها إنشاء حواجز أمواج خرسانية تحت الماء، وإعادة ردم الشواطئ بالرمال، وقال محافظ الإسكندرية إن المدينة شهدت إقامة 9 حواجز حتى الآن “لحمايتها وحماية الدلتا”.
وخلال زيارته للإسكندرية في 14 يوليو/تموز الجاري، كشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن هناك أكثر من 7500 مبنى صُدر بحقها قرارات إزالة، وأن الأمر يتطلب إنشاء 55 ألف وحدة سكنية جديدة لإيواء سكانها، وأضاف “مفيش يوم بيعدي إلا وفيه انهيار جزئي أو كلي لعقار قديم”.
ورغم ذلك، لا يزال كثير من السكان قلقين. أحمد العشري أحد سكان المدينة، يقول إن الترميمات السريعة لا تصمد: “الشروخ اللي بتظهر دلوقتي مختلفة.. دي شروخ حديثة وسريعة، مش بتاعة الزمن”.

أسعار العقارات لا تهبط
ورغم التهديدات البيئية والهندسية، لا تزال أسعار العقارات في الإسكندرية ترتفع. حركة البيع والشراء لم تهدأ، وتزايد السكان مستمر، إذ ارتفع عدد سكان المدينة إلى نحو 5.8 ملايين نسمة خلال الـ25 عاما الماضية، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء، مدفوعا بوفود العمال والزائرين.
ويقول البعض إن الأمل معقود على المشروعات الوقائية الجارية، ويعبّر شادي مصطفى صاحب مقهى على “الكورنيش” عن تفاؤله: “دلوقتي الدولة عاملة حسابها من قبل ما المصايب تحصل”.
لكن البحر لا ينتظر، وبينما تحاول الدولة تعزيز دفاعاتها، وبينما يسكن القلق يوميات سكانها، تواصل الإسكندرية مقاومة غزو غير مرئي، يتسلل إلى قلبها بصمت، قادما من الأعماق.