كيف تؤثر الاضطرابات النفسية على العلاقات الاجتماعية؟

يصر مسبب المرض على أنه لا يعاني من شيء وعلى المتضرر ان يلجأ للعلاج (الأناضول)

الفرد ليس بمعزل عن بيئته ومحيطة الاجتماعي، فكما يتأثر به، يؤثر فيه. وإذا كان هذا الفرد مضطربا نفسيا فإنه بالضرورة سيؤثر سلبا على المحيطين به وقد يصيبهم بالاضطراب أو حتى المرض النفسي.

وربما يضر المرء بالمحيطين به وهو لا يشعر، ولكن ضحاياه في المنزل والعمل يعانون، حتى قيل إن المريض لا يذهب لمستشفى الطب النفسي، ولكن يأتي ضحاياه.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وهذا ما يلاحظه الاخصائيون النفسيون الإكلينيكيون دائما خصوصا في المشكلات النفسية للأطفال أو في مجال العلاقات الزوجية، إذ يصر مسبب المرض على أنه لا يعاني من شيء وعلى المتضرر ان يلجأ للعلاج!!

التنشئة الوالدية والأمراض النفسية

هذا هو عنوان الكتاب الذي أشار فيه دكتور علاء كفافي، الرئيس السابق لقسم الصحة النفسية بكلية التربية في جامعة قطر، إلى أن أسلوب التنشئة الوالدية السليمة أو المضطربة يحدد درجة السواء والمرض في الطفل.

وتناول الكتاب عددا من الأمراض النفسية التي يلعب فيها الجانب الوراثي الجانب الأقل، بينما يلعب أسلوب التنشئة الجانب الأكبر في توريث المرض- أو بمعنى أدق إصابة الطفل بالمرض عن طريق النقل والتقليد والتدريب اليومي على الاستجابات المرضية.

وسنعرض هنا لأربع نماذج في مجال التربية والعمل والعلاقات الأسرية:

الأب القاسي

الأبوة القاسية والجافة تنتج نموذجين من الأبناء:

  • النموذج الأول هو ابن جبان خاضع ينتهج هذا الأسلوب لتجنب الضرر الشديد والعقاب البدني الواقع عليه من أب قاس، ولكن هذا الطفل هو شخص لئيم في الكبر، ويتحين أي فرصة يغيب فيها المعاقب أو القانون لينتهك المحرمات ويرتكب المظالم، فهو لا يملك ضميرا داخليا، أو بالأصح تم تدمير ضميره الداخلي عن طريق قسوة الأب.
  • النموذج الثاني هو الابن المتمرد العدواني، والذي تعلم العنف بالتقليد، وما أن يشتد ساعده حتى يمارس العنف على نفس الوالد القاسي عندما تتبدل الأحوال– يصفي حساباته القديمة في صورة جفاء أو قسوة في التعامل أو هجر أو حتى عدوان لفظي أو بدني، والأخطر هو التمرد على كل سلطة – وهو ما يسمى في علم النفس بالنقل أو الإزاحة– وهي نقل المشاعر السلبية من موضوع إلى آخر، فبدلا من توجيه العدوان إلى الأب خوفا أو تدينا– يتم تحويل هذه المشاعر إلى بديل الأب– مثل السلطة والقانون والمدير والرب، فاكثر حالات الإلحاد ذات الطابع النفسي يقبع خلفها أب قاس.
عنف أسري عنف جسدي
يلعب أسلوب التنشئة جانبا كبيرا في توريث المرض و الأدق إصابة الطفل بالمرض النفسي

الشخصية النرجسية

تمثل الشخصية النرجسية نموذجا واضحا لإصابة المحيطين بالضرر النفسي، فهي تسعد بإصابة المحيطين بالألم النفسي وتحقيرهم وامتهان ذاتهم، فشخصية المدير النرجسي تسحق الموظفين وتقضي على أي موهبة، وتصنع بيئة عمل سامة من التملق والتجسس.

ولكن في حالة إن كان مديرك نرجسيا، يمكنك أن تستقيل وتترك العمل، ولكن ماذا تفعل إن كانت الشخصية النرجسية معك بالمنزل كالأب أو الأم، حينها تتحول حياة الأبناء إلى جحيم حقيقي وسلسلة من الاضطرابات النفسية أبسطها امتهان الذات وجلد الذات.

وإذا كان النرجسي مدرسا او أستاذا بالجامعة، فالكارثة ستحل على عشرات ومئات الطلاب الضحايا الذين تسعد الشخصية النرجسية بالسيطرة عليهم وتدمير شخصيتهم.

الشخص الموسوس والشكاك

الوسواس بكل أنواعه أحد الاضطرابات النفسية المزعجة للمحيطين به، فوسواس النظافة للزوج مثلا يقهر الزوجة والأبناء ويحول حياتهم لجحيم، لاسيما إذا كان المطرب غير معترف باضطرابه أو يرفض العلاج. وإذا ارتبط الوسواس بالشك أو كان الشك اضطرابا منفصلا كعرض لمرض نفسي آخر، فلك أن تتخيل اتهام المحيطين في شرفهم أو أمانتهم أو حتى اتهامهم بالتآمر لقتله أو التخلص منه.

ومن العجيب أن الشخص الموسوس قد يترقى في المناصب القيادية تحت وهم المحيطين أنه شخص حريص أو مدقق، ولكنه في الحقيقة حول بيئة العمل حوله إلى بيئة مريضة.

الاضطراب ثنائي القطب

يعاني الشخص المصاب بهذا النوع من الاضطرابات من تقلبات مزاجية متطرفة، تتراوح بين طرفين أحدهما الهوس وما يصاحبه من إحساس مفرط بالسعادة والحماس والإنجاز والكلام السريع وزيادة الطاقة ووضع خطط عالية وربما غير واقعية والاندفاعية في اتخاذ القرار، والطرف الآخر على النقيض وهو حالة من الكآبة وما يصاحبها من بكاء وربما التفكير في إيذاء الذات وعدم الاستمتاع بالأشياء وضعف الإنجاز وإهمال العمل والتحدث ببطء وسلبية وصعوبة في اتخاذ القرار والشعور باليأس وانعدام القيمة.

وكل حالة من القطبين أو النقيضين قد تستمر عدة أسابيع. ويمكن أن تتخيل حالة الموظفين، أو زملاء العمل، أو حالة الزوجة والأبناء، أو المرؤوسين في حالة هوس المدير، إذ يتم سحقهم تحت أهداف خيالية وأمل وحماس خيالي، ثم ما يلبثوا بعد إنجاز مهام تحت ضغط عمل مهول، أن يصدموا بأن المدير لا يكترث بإنجازهم وقد دخل في حالة من اليأس وعدم الاكتراث.

من المهم أن تجري المؤسسات فحوصا نفسية لاستبعاد المضطربين نفسيا من مهن معينة (بيكسلز)

الأمل في التثقيف النفسي

هذه نماذج كمثال من ضمن عدد من الاضطرابات والأمراض النفسية التي تسبب إزعاجا حقيقيا وخللا للمحيطين، ولكن الإصابة بالاضطراب أو المرض النفسي ليس وصمة عار.

فالمرض النفسي مثل المرض الجسدية، التي يمكن أن يصاب بها أي شخص. وبالطبع قد يتأثر المحيطون بالمصاب بهذه الأمراض بدرجة او بأخرى، ولكن في حالة توافر الدعم الأسري والنفسي من المحيطين، واعتراف المضطرب باضطرابه أو مرضه، تخف التأثيرات على المحيط الاجتماعي نسبيا.

أهمية الكشف والتأهيل النفسي

لا تجري أغلب المؤسسات فحوصا نفسية لاستبعاد المضطربين نفسيا من مهن معينة– خصوصا المهن التي يمثل فيها الاضطراب النفسي خطورة– كأن يحمل الشخص سلاحا ضمن طبيعة عمله، أو التي تتضمن التعامل مع بشر مثل المدرس من رياض الأطفال إلى الجامعة.

ومن المهم الكشف والتأهيل النفسي للمقبلين على الزواج لضمان السواء في الحياة الزوجية او الوالدية السوية، فضلا عن الاحتياج الشديد للكشف والتأهيل النفسي للسياسيين والمسئولين حتى لا تضيع البلاد والعباد وتشتعل الحروب والصراعات تحت وطأة سياسي نرجسي أو فصامي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان