دولة أوروبية تعتبر العربية إحدى لغاتها الرسمية.. قصة جزيرة تجمع بين الانتماء الغربي والجذور الإسلامية

مالطا (أرشيفية )
مالطا (أرشيفية ) (أسوشيتدبرس)

رغم صغر مساحتها الواقعة في قلب البحر الأبيض المتوسط، بين صقلية وليبيا، تحتل مالطا موقعًا استثنائيًا في الخريطة اللغوية والسياسية لأوروبا.

الجزيرة لا تتجاوز مساحتها 316 كيلومترًا مربعًا، وعدد سكانها نحو 520 ألف نسمة فقط، وهي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تُعَدّ العربية إحدى لغاتها الوطنية، في صيغة محلية تُعرف باسم المالطية، إلى جانب اللغة الإنجليزية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لماذا يتحدث المالطيون العربية؟

الجواب يكمن في التاريخ، فقد خضعت مالطا لحقب متعاقبة من سيطرة الرومان والفينيقيين والعرب والنورمان والإسبان ثم البريطانيين، لكن الأثر الأعمق لغويًا وثقافيًا جاء مع الفتح الإسلامي عام 870 حين سيطر الأغالبة على الجزيرة. جُلبت آنذاك عائلات من تونس وصقلية، ما أسس لهجة عربية خاصة امتزجت لاحقًا بالإيطالية والإنجليزية. واستمرت اللغة العربية في التداول الشعبي حتى مع انتقال السلطة إلى الأوروبيين، لتتطور عبر القرون إلى ما يعرف اليوم باللغة المالطية.

مهاجرون على متن قارب خشبي مكتظ ينتظرون الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، 2019.
مهاجرون على متن قارب خشبي مكتظ ينتظرون الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، 2019. (أسوشيتدبرس)

المالطية.. عربية بلكنة أوروبية

تنتمي المالطية إلى اللغات السامية، وتتشابه مفرداتها وقواعدها مع العربية المغاربية، خصوصًا لهجات تونس وليبيا والمغرب. وتُكتب بحروف لاتينية منذ القرن 19، وهو ما ميّزها عن العربية.

وأكثر من 60% من مفرداتها عربية الأصل، في حين دخلت عليها مفردات إيطالية (بنسبة 30%) وإنجليزية (10%)، ومثال على ذلك كلمة “Dar” تعني دار، “Qalb” تعني قلب، “Xemx” تعني شمس.

تُكتب المالطية بحروف لاتينية منذ القرن 19، وهو ما ميّزها عن العربية. وهناك صحف وإذاعات وتلفزيون تبث بالمالطية، كما تُدرّس في المدارس والجامعات.

سر بقاء المالطية حتى اليوم

تسبب وجود مالطا كجزيرة صغيرة في جعل لغتها أقل عرضة للاندثار، بسبب العزلة الجغرافية. وبعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1964، جرى تكريس المالطية كلغة رسمية وهوية وطنية وثقافية مميزة.

ورغم أن الإنجليزية لغة رسمية ثانية، حافظت مالطا على خصوصيتها اللغوية عند انضمامها للاتحاد الأوروبي عام 2004، فأصبحت المالطية واحدة من اللغات الرسمية للاتحاد.

ويُعتبر معظم سكان مالطا كاثوليك (أكثر من 90%)، فيما يجعل التعايش بين هوية دينية أوروبية ولغة عربية الأصل  مالطا حالة فريدة عالميًا.

وقد دافع الشاعر دون ميكالي أنطون فاسالو (1811–1868) “أب الأدب المالطي” عن اعتماد المالطية لغة كتابة بدلاً من الإيطالية.

أهمية سياسية وثقافية

وتمثل مالطا اليوم جسرًا لغويًا وثقافيًا بين أوروبا والعالم العربي. فيما تُدرس اللغة المالطية وتُستخدم في الإعلام، مما جعل الجزيرة نموذجًا نادرًا لاستمرارية العربية الأوروبية.

وتربط مالطا علاقات اقتصادية وتجارية مع دول شمال إفريقيا، خصوصًا ليبيا وتونس، في مجالات الطاقة والخدمات البحرية. وثقافيًا، تستفيد الجامعات المالطية من موقعها لتكون وجهة للطلبة العرب، خاصة من الخليج وشمال إفريقيا.

أما دبلوماسيًا، فتستحضر الحكومة المالطية روابطها التاريخية والثقافية مع العرب في سياستها الخارجية، وتطرح نفسها وسيطًا محتملاً في قضايا المتوسط، وعلى رأسها ملف الهجرة.

تاريخيًا، كانت مالطا جزءًا من المجال الإسلامي ثم تحولت إلى موقع صراع بين القوى الأوروبية والعثمانيين. واليوم، تعتبر ليبيا وتونس شريكتين أساسيتين لها في التجارة والطاقة، وخصوصًا الغاز والنفط.

مالطا ليست مجرد جزيرة سياحية، بل مختبر تاريخي حيّ يروي قصة امتداد العربية إلى قلب أوروبا. ومن خلال لغتها، تواصل لعب دور مميز كحلقة وصل بين ضفتي المتوسط، يجمع بين العمق العربي والانتماء الأوروبي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان