كيف تحولت موازين القوى في المشهد الليبي خلال شهر؟

أحكمت قوات الوفاق سيطرتها على جميع مداخل ترهونة باستثناء الجنوبية باتجاه مدينة بني وليد

بعد نحو شهر من بدء قوات حكومة الوفاق الليبية عملية عاصفة السلام في 26 مارس/آذار، تم تحرير العديد من المدن والمناطق الاستراتيجية وفرض طيرانها هيمنته لأول مرة على ساحات المعارك.

في المقابل تساقط أفراد  قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالمئات قتلى وأسرى، في مؤشر على بداية تداعي الهجوم على العاصمة طرابلس.

فرغم موافقة قوات حفتر على هدنة بسبب فيروس كورونا الذي يجتاح العالم، إلا أنها واصلت هجماتها الصاروخية على العاصمة، مما دفع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، إلى بدء عملية عاصفة السلام، التي سبقها بيوم واحد هجوم شامل لقواتها على مختلف محاور القتال جنوبي طرابلس.

وفيما يلي تسلسل زمني لأبرز المعارك التي خاضتها قوات حكومة الوفاق وتمكنت من خلالها من تحويل المشهد لصالحها، وفقا لتقرير نشرته وكالة الأناضول.

اقتحام قاعدة الوطية

عملية نوعية استهدفت قاعدة الوطية الجوية (140 كلم جنوب غربي طرابلس) يوم 25 مارس/ آذار، التي كانت أشبه بعملية مستحيلة قامت بها فرقة من الكوماندوز عالية التدريب، وبتخطيط دقيق وذكي.

فالقاعدة التي بناها الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة بعيدة عن التجمعات السكانية بمسافة لا تقل عن 25 كلم عن أقرب بلدة، كانت محصنة بشكل لم تتمكن فيه أي قوة من دخولها منذ سيطرة قوات حفتر الآتية  من مدينة الزنتان (170 كلم جنوب غربي طرابلس) عليها في 2014.

قوة صغيرة من قوات الوفاق، وبشكل سري، زحفت نحو قاعدة الوطية، ووصلت إلى مدخلها الشمالي دون أن تشعر بها قوات حفتر رغم أنها سارت في منطقة مفتوحة لعدة كيلومترات، مما يُرجَح أنها تحركت في آخر الليل، وبدون إشعال أضواء آلياتها المسلحة، وربما استعملت أجهزة للرؤية الليلية، ووصلت المدينة السكنية التابعة للقاعدة على المدخل الشمالي.

كان عنصر المباغتة حاسما، فالقاعدة الجوية التي لديها قدرة استيعاب 7 آلاف رجل، وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة قوة صغيرة، تمكنت من أسر 27 فردا  من قوات حفتر بينهم طيارون وفنيو طيران.

ورغم أن كوماندوز الوفاق لم تستغرق سيطرتهم على جزء من القاعدة سوى فترة قصيرة (ساعة واحدة حسب بعض المصادر) فإنهم نجحوا في إثبات أن الوطية ليست القاعدة غير القابلة للسقوط، وكسر هيبة رجال حفتر المتحصنين بها، وأخذ أسرى نوعيين، لا يمكن لطائرات حفتر التحرك بدونهم.

وتمكنت قوات الوفاق الخاصة من إيصالهم جميعا إلى طرابلس، رغم مطاردة قوات حفتر لهم واشتباكها معهم خارج القاعدة.

هيمنة قوات الوفاق على سماء المعركة
تم إسقاط طائرة إماراتية مسيرة جنوب مدينة العجيلات

بعد اقتحام قاعدة الوطية، تم إسقاط طائرة إماراتية مسيرة جنوب مدينة العجيلات (80 كلم غرب طرابلس)، تلتها غارات متواصلة على القاعدة ذاتها مما أدى إلى تدمير 3 طائرات حربية من نوع سوخوي 22، وأفقد ذلك حفتر قوته الجوية الضاربة في المنطقة الغربية.

وأصبحت قوات الوفاق مع نهاية مارس آذار، مهيمنة بشكل كبير على المنطقة الممتدة من الحدود التونسية إلى  منطقة أبو قرين جنوب شرقي مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) على امتدادا أكثر من 500 كلم.

وكثف طيران الوفاق من استهداف خطوط الإمداد الطويلة لحفتر (نقطة ضعفه الرئيسية)، خاصة ناقلات الذخيرة والوقود، مما جعل الكثير من دباباته وآلياته مثل الخردة غير قادرة على الحركة.

بيرقدار تتفوق
أثبتت طائرات بيرقدار التركية المسيرة تفوقها على نظيرتها الصينية من نوع وينغ لونغ.

في خطوة غير محسوبة، زحفت قوات حفتر، في 29 مارس آذار، من منطقة الوشكة غرب مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، قاصدة احتلال مصراتة، التي لعبت كتائبها دورا جوهريا في منع سقوط العاصمة، واصطدمت القوتان في منطقة أبو قرين (110 كلم جنوب مصراتة).

ورغم استعمال قوات حفتر الطيران بكثافة في أبو قرين والمناطق المجاورة، إلا أن طيران الوفاق كان له بالمرصاد، وأثبتت طائرات بيرقدار التركية المسيرة تفوقها على نظيرتها الصينية من نوع وينغ لونغ.

وسمح هذا التفوق الجوي، لطائرات الوفاق من قصف ما يسمى غرفة تحرير مصراتة في سرت، مما أدى إلى مقتل قائد غرفة عمليات سرت الكبرى الجنرال سالم درياق ونائبه العميد القذافي الصداعي، وعدد من قادة الكتائب المهمين، وعشرات القتلى (نحو 130 فردا) من قوات ومرتزقة حفتر، مما يعكس الدور الذي قام به  طيران الوفاق في التصدي للهجوم بمناطق مفتوحة يصعب التحصن بها.

وفي 12 أبريل/نيسان الماضي، حاولت القيادة الجديدة لقوات حفتر في سرت الانتقام من هزيمة معركة أبو قرين، فشنت هجوما كبيرا مدعوما بالطيران العمودي والطائرات المسيرة، وتمكنت من اقتحام أبو قرين، لكن سرعان ما ردت كتائب مصراتة بهجوم مضاد أسقطت فيه طائرة مروحية وطائرتين بدون طيار، وقتلت 35 فردا على الأقل وأسرت العشرات وغنمت عدة آليات.

سقوط الدومينو للمدن الغربية
تمكنت قوات الوفاق من تحرير كامل مدن الساحل الليبي غرب طرابلس إلى غاية الحدود التونسية

أكبر انتصار حققته قوات الوفاق في هذه المرحلة، هو  تحرير كامل مدن الساحل الليبي غرب طرابلس حتى الحدود التونسية، وأصبح الطريق الساحلي الاستراتيجي من مصراتة إلى معبر راس اجدير بالكامل تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

حيث حررت قوات الوفاق مدينتي صرمان وصبراتة اللتين تبعدان أقل من 70 كلم عن غرب طرابلس، بالإضافة إلى مدن العجيلات والجميل ورقدالين وزلطن، فضلا عن معسكر العسة بالقرب من الحدود التونسية، ومنطقة مليتة النفطية، وبلدة المطرد شرق صرمان، التي تساقطت جميعها خلال ساعات مثل أحجار الدومينو.

كانت ضربة قاتلة لحفتر فقد خلالها كامل المنطقة الغربية الساحلية باستثناء قاعدة الوطية الجوية، وأنهت قوات الوفاق بذلك أكبر تهديد على الجناح الغربي للعاصمة.

ترهونة تحت الحصار
شنت قوات الوفاق هجوما شاملا على ترهونة من 7 محاور، في 18 أبريل/نيسان الجاري (الأناضول)

بعد سيطرة قوات الوفاق على مدينتي صرمان وصبراتة، وقبلهما مدينة غريان عاصمة الجبل الغربي (100 كلم جنوب طرابلس) لم يبق سوى مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس) من مدن غلاف العاصمة خاضعة لسيطرة أتباع حفتر.

وبالنظر إلى أن قوات اللواء التاسع ترهونة، تمثل القوة الثانية بعد قوات حفتر القادمة من الشرق، في جبهات القتال جنوبي طرابلس، شنت قوات الوفاق هجوما شاملا على المدينة من 7 محاور، في 18 أبريل نيسان الجاري، وتمكنت من أسر 102 من الأفراد،  معظمهم من اللواء التاسع، بعد أن حررت مناطق جنوب مدينة القره بوللي (50 كلم شرق طرابلس) وتقدمت إلى المداخل الشمالية للمدينة حتى لم يعد يفصلها عن وسط ترهونة سوى أقل من 8 كلم.

ورغم أن معركة ترهونة لم تحسم في اليوم الأول، إلا أن قوات الوفاق شددت الحصار عليها، وأحكمت سيطرتها على جميع مداخل المدينة باستثناء الجنوبية باتجاه مدينة بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس)، التي تدعم معظم كتائبها حفتر.

كما حققت قوات الوفاق انتصارات بمحاور جنوبي طرابلس، بعد أن انسحب عدد من مقاتلي ترهونة منها إلى مدينتهم، مما أدى اختلال توازن قوات حفتر القادمة من الشرق.

ففي أقل من شهر تمكنت عملية عاصفة السلام من قلب المشهد الليبي رأسا على عقب، والتحول من الدفاع إلى الهجوم، وتوسيع مساحة سيطرة الوفاق بنحو 3300 كلم مربع، بعد تحرير الساحل الغربي، ومناطق جنوب القره بوللي، كما أن الطريق الساحلي أصبح مؤمنا بالكامل من مصراتة إلى الحدود التونسية، وتولت الحكومة الشرعية زمام المعركة.

المصدر: الأناضول

إعلان