تقرير: أمريكا يمكنها التخلص من العبء السعودي للأبد

ترمب وبن سلمان- دونالد ترمب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يمر خلف ولي عهد السعودية محمد بن سلمان خلال قمة مجموعة العشرين في يونيو 2019

قال تقرير إخباري أمريكي إن الفرصة مواتية للولايات المتحدة للتخلي من عائلة آل سعود بعد أن أصبح كلفة حمايتهم أكبر من المنافع الناجمة عن اتفاق النفط السعودي مقابل الحماية الأمريكية.

وقالت أستاذ العلوم السياسية أنيل شيلين في تقريرها الذي حمل عنوان “التخلص من العبء السعودي للأبد” بمجلة ” ذا أمريكان كونسيرفاتيف” الأمريكية إن حرب أسعار النفط التي شنتها السعودية مع روسيا عرضت الأمن الأمريكي للخطر فضلًا عن تضرر منتجي الطاقة الأمريكيين.

وجاء تقرير المجلة كالتالي:

” هل تستطيع واشنطن تحمل الحب الصعب مع آل سعود؟ يبدو أن التقارير الأخيرة تجيب بالإيجاب، إذ كشفت التقارير أن الجيش الأمريكي أزال أخيرا أنظمة باتريوت المضادة للصواريخ من الأراضي السعودية وأن التهديدات الأمريكية الخطيرة دفعت المملكة إلى نزع فتيل حرب أسعار النفط مع روسيا.

يرد بعض المعلقين بأنه يجب على الولايات المتحدة استخدام نفوذها في كثير من الأحيان من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأخرى. ولكن وراء مسألة النفوذ، يكشف الحادث عن خلل في علاقة الولايات المتحدة بالسعودية، حيث يؤدي الغياب الصارخ للمصالح المتبادلة إلى شراكة استراتيجية تبقى طافية من خلال الإنذارات.

وفي ظل عالم أصبح متعدد الأقطاب، ستجد الولايات المتحدة أن شركاءها أقل رغبة في الالتزام بتفضيلات السياسة الأمريكية.

السعوديون، الذين أظهروا مرارًا وتكرارًا استعدادهم للاستهزاء بأهداف الولايات المتحدة، ليسوا استثناءً.

ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تنظر إلى هذا التحول باعتباره فرصة لإعادة تقييم شراكتها مع العائلة الحاكمة في الرياض مع الاحتفاظ بنفوذ كافٍ لوضع شروط مواتية.

وليست حرب أسعار النفط سوى أحدث صدع في العلاقة الأمريكية السعودية التي صيغت في القرن العشرين إلا أنها لم تعد ملائمة للقرن الحادي والعشرين.

أنفقت الولايات المتحدة 6.4 تريليون دولار على الحرب العالمية على “الإرهاب” على مدى العقدين الماضيين. وليس الإرهاب أمرًا فريدًا بالنسبة إلى الشرق الأوسط، ولكن تم إنفاق الكثير من هذه الأموال في المنطقة، بما في ذلك خوض حربين في أفغانستان والعراق.

وتكمن أصول الالتزام الأمني الأمريكي الهائل تجاه الشرق الأوسط في الاعتماد على النفط، الذي ولّد في الوقت نفسه الظروف التي عجلت بأعمال “الإرهاب”.

ويخلق التفاعل بين الاعتماد على النفط والعنف دورة ذاتية الحركة تعمل على إبقاء الولايات المتحدة تنفق موارد أكبر في المنطقة، على الرغم من النيات المعلنة للحد من التدخل الأمريكي هناك.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هدد محمد بن سلمان لتخفيض إمدادات النفط (رويترز)

 

ويوضح انهيار أسعار النفط منذ بداية عام 2020 الحاجة إلى إعادة التفكير بشكل أساسي في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.

على الرغم من الألم الاقتصادي الحالي، فإن انخفاض الطلب على النفط يوفر فرصة لإعادة تنظيم السياسة الخارجية مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

أنشأت الولايات المتحدة في بادئ الأمر وجودًا عسكريًا في الشرق الأوسط لتأمين وصولها إلى احتياطيات النفط بعد الحرب العالمية الثانية. وتعرضت هذه العلاقة لضغوط شديدة في عامي 1973-1974 عندما بدأ السعوديون حظر النفط العربي في أعقاب حرب “يوم الغفران”.

بعد حرب الخليج الأولى، سعت الحكومة الأمريكية، التي لم تعد تعوقها إمكانية عداء الاتحاد السوفيتي، إلى منع أي دولة من تحقيق وضع الهيمنة الإقليمية وتهديد إمدادات النفط العالمية.

إلا أن الوجود المستمر للقوات الأمريكية فضلا عن دعم الولايات المتحدة للمستبدين العرب، خلق إحباطًا بين السكان المحليين وأدى في بعض الحالات إلى أعمال تطرف عنيف بلغت ذروتها في فظائع 11 سبتمبر/أيلول.

فلو لم يكن الأمريكيون يحمون إمدادات النفط في الشرق الأوسط، ما كان للولايات المتحدة أن تصبح هدفًا رئيسيًا لجماعات السلفية الجهادية الإرهابية.

لذلك، إذا تمكنت الولايات المتحدة من تقليص التزام قواتها تجاه الشرق الأوسط فيمكنها تحقيق هدفين في وقت واحد وهما: الحد من تهديد الإرهاب ودعم مصالح الطاقة الأمريكية.

وتتجلى ديناميكية النفط مقابل الإرهاب بشكل أوضح في حالة السعودية.

وتمتد العلاقة بين الحكومة الأمريكية وعائلة آل سعود إلى الاجتماع الشهير للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع مؤسس السعودية، الملك عبد العزيز آل سعود على متن السفينة العسكرية الأمريكية كوينسي في قناة السويس في عام 1945، والتي تطورت إلى مبادلة تكتيكية تحمي بموجبها الولايات المتحدة المملكة الفتية في مقابل النفط السعودي.

ومع ذلك، أثبتت المملكة أنها شريك محرج للدفاع عنه. وبررت عائلة آل سعود حكمها على أساس فرض ونشر الوهابية، وهي تفسير متزمت للإسلام يفرض فصلًا صارمًا بين الجنسين ويمقت أي تفسيرات بديلة باعتبارها كفرا.

مرارا وتكرارا، استخدمت السعودية ثروتها النفطية لتصدير نسختها المفضلة من الإسلام، وبذرت التعصب الذي استخدمه بعض أتباعها لتبرير العنف.

وسلطت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الضوء على الخلل في العلاقة الأمريكية مع السعودية: إذ أصبح أسامة بن لادن متشددا، ويرجع ذلك جزئياً إلى وجود القوات الأمريكية في وطنه، موطن النبي محمد.

ولكن على الرغم من الغضب والارتباك المبررين لدى الأمريكيين في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول – خاصة بعد أن تبين أن 15 من الخاطفين التسعة عشر كانوا سعوديين – لم يكن أمام الولايات المتحدة خيار سوى الاستمرار في حماية إمدادات النفط العالمية، وبالتالي التمديد لعائلة آل سعود، التي زُعم أن وجودها مكون أساسي للاستقرار الإقليمي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (رويترز)

 

وغيرت السعودية سلوكها بعد 11 سبتمبر/أيلول وتوج ولي العهد الأمير عبد الله، الذي كان بمثابة الحاكم الفعلي منذ إصابة أخيه غير الشقيق الملك فهد بالسكتة الدماغية في عام 1995، ملكًا في عام 2005.

 وطبق عبد الله إشرافًا أكبر على النظام التعليمي السعودي وكذلك على الشبكات الكبيرة من التبرعات الخيرية، التي كان يرسل بعضها إلى تنظيم القاعدة قبل عام 2001.

ورفع الملك عبدالله القيود الرسمية على عمل المرأة على الرغم من أن الفصل بين الجنسين ظل العرف السائد، وأرسل مئات الآلاف من السعوديين من الذكور والإناث للدراسة في الخارج، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا.

وغالبًا ما كانت إصلاحات الملك عبد الله دقيقة، إلا أنها أرست الأجواء التي مكنت ولي العهد محمد بن سلمان من إجراء التغييرات الأكثر وضوحًا التي غيرت المجتمع السعودي منذ عام 2016.

وعلى الرغم من جهود السعودية لمواءمة ممارساتها الاجتماعية بشكل أوثق مع المعايير العالمية، فإن حرب أسعار النفط التي اندلعت في مارس/آذار الماضي تظهر مدى عدم توافق المصالح السعودية مع المصالح الأمريكية.

وليس هذا سوى أحدث مثال على أن السعودية تتبع للسياسات التي تضر بأهداف الولايات المتحدة: فمنذ عام 2019، دفع الكونغرس من أجل اتخاذ تدابير لمعاقبة السعودية على القتل الوحشي لجمال خاشقجي والحرب على اليمن.

وأعرب أعضاء الكونغرس الأمريكي عن غضبهم وعدم تصديقهم لقرار السعودية زيادة مستويات إنتاج النفط، على الرغم من انهيار الطلب على النفط نتيجة وباء كوفيد-19 وما نتج عن ذلك من ضرر للمنتجين الأمريكيين.

وكتب 13 من أعضاء مجلس الشيوخ يمثلون المناطق المنتجة للنفط رسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، واجتمعوا لاحقًا بالسفيرة السعودية الأميرة ريما بنت بندر، مطالبين حليف الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بكبح جماح وفرة المعروض.

وأدى الغضب بين الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس من الولايات الغنية بالطاقة إلى تآكل قاعدة الدعم السياسي للعلاقة الأمريكية السعودية التي تم تضييقها بالفعل بسبب غضب الديمقراطيين بسبب  اغتيال خاشقجي والحرب على اليمن وترك السعوديين يعتمدون بشكل مفرط على أكثر إدارة أمريكية تبادلية في التاريخ الحديث للنيات الحسنة.

ويبدو أن قرار تخفيض الوجود العسكري الأمريكي في السعودية في أعقاب الخلاف على سعر النفط يهدف بشكل كبير إلى تذكير ابن سلمان باعتماده على المظلة الأمنية الأمريكية.

ويجادل المدافعون عن الوضع الحالي بأن الولايات المتحدة يتعين عليها الاحتفاظ بنفوذها على المملكة من خلال مواصلة الدعم العسكر والضمانات الأمنية، مشيرين إلى الإصلاحات الاجتماعية الأخيرة في السعودية باعتبارها علامات على التأثير الأمريكي المعتدل.

إلا أن الإصلاحات السعودية ليست وليدة للضغوط الأمريكية، فالدافع للتغيير الاجتماعي مالي، إذ لم تعد السعودية قادرة على تحمل نموذج اقتصادي وطني تدفع الحكومة فيه رواتب مواطنيها الذكور في قطاع حكومي منتفخ ومزدحم بالموظفين، ورواتب سخية بما يكفي لإعالة المواطنات غير المسموح لهن بالعمل، ودفع أموال لأجانب للاضطلاع بالعمل الفعلي المطلوب للحفاظ على أداء المجتمع.

على الرغم من مبادرات ابن سلمان البارزة لتحسين صورة السعودية عالميا في مجال حقوق الإنسان وخاصة حقوق المرأة، إلا أن نظام ولاية الذكور لا يزال قائماً، وتبقى النساء قاصرات في نظر القانون السعودي.

في حين أن الجهود التي تبذلها المملكة لتوسيع الحريات الشخصية لمواطنيها وخاصة للنساء جديرة بالثناء، فإن هذه الإصلاحات تجعل السعودية تتماشى مع معايير دول الخليج الأخرى، حيث لا تفقد المرأة حقها في قيادة السيارة أو السفر أو العمل.

ولا تزال مجموعة من الناشطات السعوديات المدافعات عن حقوق المرأة مسجونات ويتعرضن للتعذيب، على الرغم من حقيقة أن الدولة تسمح الآن بالعديد من الحريات التي طالبن بها، مثل الحق في قيادة السيارة. ويبدو أن ابن سلمان يخشى من أن يشجع استجابته للمتظاهرين، آخرين للمطالبة بالمزيد.

سيستمر الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وخاصة في السعودية في إثارة العداء من السكان المحبطين من الحكام الفاسدين والمستبدين ومرتزقتهم الأمريكيين.

عندما كانت الولايات المتحدة تعتمد على النفط العربي، بدت هذه الديناميكية حتمية. إلا أن الفرص التي توفرها ثورة النفط الصخري والتقدم في تقنيات الطاقة البديلة تعني أن الولايات المتحدة لا يتعين عليها أن تعرض الأمن القومي للخطر من أجل أمن الطاقة.

يجب أن تواصل الولايات المتحدة السعي لاستقلال الطاقة، ولكن ليس من خلال تعريض منتجي الطاقة الأمريكيين لتقلبات سوق النفط العالمية. وبدلاً من ذلك، يمكن للولايات المتحدة تحقيق الاكتفاء الذاتي الحقيقي من خلال تطوير موارد الطاقة المتجددة المحلية التي لا يمكن تهديدها من قبل الحكومات والصراعات الأجنبية”.

المصدر: الجزيرة مباشر + ذا أمريكان كونسيرفاتيف

إعلان