ما دلالات هزيمة قوات حفتر في مدينة بني وليد؟

مطار بني وليد بعد تحريرها

عكس السقوط المدوي لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في مدينة بني وليد غربي ليبيا، حالة الوهن والانهيار الذي وصلت إليه هذه القوات منذ هزيمتها في العاصمة الليبية طرابلس.

فقد تمكنت قوة حماية بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس)، مساء الجمعة، من السيطرة على مطار المدينة، بعد ساعات من طرد قوات الوفاق لقوات اللواء التاسع (الكانيات) التابعة لحفتر من مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس).

ودخلت بعدها قوات الوفاق بني وليد، لمطاردة فلول الهاربين في نفس اليوم، وقفل أهم قاعدة خلفية بالمنطقة الغربية لتموين قوات حفتر بالسلاح والرجال في ترهونة وطرابلس.

مطار استراتيجي

تمتلك بني وليد مطارا واقعا في منطقة استراتيجية، فهو الأقرب لقاعدة الجفرة الجوية (650 كلم جنوب شرق طرابلس)، مقارنة بقاعدة الوطية الجوية (140 كلم جنوب غرب طرابلس)، لذلك استخدمته قوات حفتر منذ بداية هجومها على طرابلس كقاعدة لوجستية لنقل المسلحين والمرتزقة الأجانب من شرقي البلاد، ليتم نقلهم برا إلى ترهونة.

وكان هذا المطار قاعدة جوية في عهد القذافي، ثم تحول إلى مطار مدني بعد ثورة 17 فبراير 2011، لكن حفتر استغله في 2019، لأغراض عسكرية ولوجستية.

وهذا ما دفع أسامة جويلي، قائد المنطقة الغربية في قوات الوفاق، بالتهديد بفرض حظر جوي على مطار بني وليد.

كما جرى معالجة مصابي قوات حفتر بمصحات بني وليد، التي لعبت دورا في تموين ترهونة بالسلع والخدمات أيضا، خاصة أنها معزولة عن الموانئ القريبة التي تسيطر عليها حكومة الوفاق (مينائي طرابلس ومصراتة).

قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية
طريق إمداد حيوي

رغم أن بني وليد، عند بداية هجوم حفتر على طرابلس، في 4 أبريل/ نيسان 2019، كانت محسوبة (إداريا) على حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فائز السراج، إلا أنها فعليا كانت قاعدة خلفية لقوات حفتر.

وبعد سيطرة قوات الوفاق على غرفة عمليات حفتر الرئيسية في مدينة غريان (100 كلم جنوب طرابلس)، قُطع خط الإمداد الرئيسي في المحور الأوسط والقادم من قاعدة الجفرة الجوية (650 كلم جنوب شرق طرابلس) مرورا بمدينة مزدة (180 كلم جنوب طرابلس).

وأصبحت أهمية بني وليد حيوية، حيث أصبح طريق التموين الرئيسي يمر عبرها نحو ترهونة بدلا من طريق مزدة-غريان، وتطلب هذا الأمر تكليف مسلحين من المدينة بتأمين طريق الإمداد في محيط المدينة والأهم من ذلك حماية المطار.

فأعلنت بعض المجموعات المسلحة في المدينة انشقاقها عن قوات الوفاق، رغم أنها تابعة لها اسميا فقط وموالية لحفتر فعليا، وكُلفت بمهام تأمين المطار وطريق الإمداد البري.

وحاولت ما يسمى بالحكومة المؤقتة غير الشرعية، التابعة لحفتر بالشرق، تعيين مجلس بلدي جديد لإزاحة عميد بلدية بني وليد، سالم نوير، الموالي للحكومة الشرعية في طرابلس، لكنها فشلت بسبب دعم مكونات المدينة للأخير.

الفرار نحو الشرق

بعد فقدان حفتر لقاعدة الوطية الجوية، في 18 مايو/ أيار الماضي، انسحبت أرتال لمرتزقة شركة فاغنر الروسية من جنوبي طرابلس نحو مطار بني وليد، مرفوقين بأنظمة بانتسير المضادة للطيران.

لكن أعيان وشباب بني وليد هددوا باستهداف المرتزقة إن لم يخرجوا من مدينتهم، وفعليا بدأ الانسحاب من مطار بني وليد نحو قاعدة الجفرة عبر 15 رحلة جوية على الأقل، تلاها خروج أرتال من المدينة على طول عدة كيلومترات باتجاه الجنوب.

لكن لم يكن هذا الفرار الوحيد نحو بني وليد، حيث تلاه هروب لقوات من الشرق ومرتزقة أفارقة نحو المدينة، بعد تحرير كامل الحدود الإدارية للعاصمة في 4 يونيو/حزيران الجاري.

وبعد يوم واحد، لحقهم الفارون من اللواء التاسع ترهونة، الذين لم يصمدوا أمام اندفاع قوات الوفاق، خاصة بعد أن تخلى عنهم المرتزقة الروس والأفارقة.

وتمكن شباب بني وليد من انتزاع آليات مسلحة من المرتزقة الأفارقة خلال فرارهم العشوائي، قبل أن يقتحموا المطار ويستولوا على كميات كبيرة من الأسلحة، مما يؤكد فقدان قوات حفتر الهاربة للمدينة القيادة والسيطرة.

أهمية بني وليد لحكومة الوفاق

بسيطرتها على بني وليد، ضمنت الوفاق قفل طريق إمداد استراتيجي نحو ما تبقى من قوات حفتر في ترهونة ومحيطها، وحرمانها من مطار حيوي للدعم اللوجستي.

كما يمكن للقوات الحكومية بسط سيطرتها انطلاقا من بني وليد وغريان، على البلدات الصغيرة على طريق الإمداد مثل تيتيناي ونسمة ومزدة (180 كلم جنوب طرابلس) إلى غاية الشويرف (415 كلم جنوب شرق طرابلس) في الجنوب الشرقي.

لكن على الأغلب ستغير هذه البلدات ولاءها لصالح حكومة الوفاق في طرابلس، على غرار ما فعل المجلسان البلديان في مزدة والشويرف، لتجنيب مناطقهما الحرب.

إلا أن وجود عناصر مسلحة موالية لحفتر بهما، قد يبقي التهديد متواصلا مثلما حدث في مزدة ومدينة الأصابعة (120 كلم جنوب طرابلس)، هذه الأخيرة التي أعلن أعيانها ولاءهم للحكومة مرتين، لكن القوات الحكومية تتعرض لإطلاق النار في كل مرة تدخل فيها المدينة.

وتمثل بني وليد بموقعها الاستراتيجي جنوب غرب مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) أحد الخيارات المناسبة لتقدم القوات الحكومية لتحرير قاعدة الجفرة الجوية، أو مدينة سبها (750 كلم جنوب طرابلس) وبلدات إقليم فزان بالجنوب.

فبني وليد بعد أن كانت مدينة متأرجحة أصبحت بالكامل تابعة لحكومة الوفاق، رغم أن أغلبية سكانها مازالوا متعاطفين مع نظام القذافي، لكنهم لا يحملون كثير ود لحفتر الذي اقتحمها في 2011.

المصدر: الأناضول

إعلان