ميخائيل غورباتشوف.. وفاة الزعيم السوفيتي الأخير الذي أنهى الحرب الباردة عن 91 عاما

قال مسؤولون بمستشفى في موسكو إن الزعيم السوفيتي الأخير ميخائيل غورباتشوف، الذي أنهى الحرب الباردة دون إراقة الدماء لكنه أخفق في منع انهيار الاتحاد السوفيتي، توفي أمس الثلاثاء عن 91 عامًا.
وأبرم غورباتشوف اتفاقات مع الولايات المتحدة للحد من الأسلحة، وأقام شراكات مع القوى الغربية لإزالة الستار الحديدي الذي قسّم أوربا منذ الحرب العالمية الثانية، كما أدى دورًا في إعادة توحيد ألمانيا. وفاز غورباتشوف بجائزة نوبل للسلام عام 1990.
لكن إصلاحاته الداخلية الواسعة ساعدت في إضعاف الاتحاد السوفيتي حتى بلغ نقطة الانهيار، وهي لحظة وصفها الرئيس فلاديمير بوتين بأنها “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين.
وقال المستشفى المركزي في روسيا “توفي ميخائيل غورباتشوف الليلة بعد إصابته بمرض خطير وطويل الأمد”.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف لوكالة (إنترفاكس) للأنباء أن بوتين عبّر عن “خالص تعازيه” في وفاة جورباتشوف.
وأضاف أنه “سيرسل غدًا برقية تعزية لعائلته وأصدقائه”، وذكرت وكالات أنباء في عام 2018 أن بوتين قال إنه سيلغي انهيار الاتحاد السوفيتي إذا استطاع.

“زعيم نادر”
وسارع زعماء العالم إلى التعبير عن تقديرهم لغورباتشوف. وقالت رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين إنه فتح الطريق أمام أوربا حرة.
وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه “كان يؤمن بالجلاسنوست والبيريسترويكا -الانفتاح وإعادة الهيكلة- ليس باعتبارهما مجرد شعارات، وإنما الطريق إلى الأمام لشعب الاتحاد السوفيتي بعد سنوات كثيرة من العزلة والحرمان”.
ووصفه بأنه كان “زعيمًا نادرًا” وكان يتحلى بشجاعة كافية للمخاطرة بحياته المهنية من أجل مستقبل مختلف، وأضاف “أن النتيجة كانت عالمًا أكثر أمانًا وأكثر حرية لملايين الأشخاص”.
من جهتها، قالت مؤسسة ريغان في تغريدة إنها “حزينة لرحيل رجل كان في يوم من الأيام خصمًا سياسيًّا لرونالد ريغان، وانتهى به الأمر ليصبح صديقًا له”.
وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون -مشيرًا إلى غزو بوتين لأوكرانيا- إن “التزام غورباتشوف دون كلل بانفتاح المجتمع السوفيتي يظل مثالًا لنا جميعًا”.

شراكات غربية
بعد التوتر والمواجهة خلال الحرب الباردة التي استمرت عقودًا، جعل غورباتشوف الاتحاد السوفيتي أقرب إلى الغرب من أي مرحلة منذ الحرب العالمية الثانية.
لكنه شهد دمار هذا الإرث في الأشهر الأخيرة من حياته، إذ أدى غزو بوتين لأوكرانيا إلى فرض عقوبات غربية على موسكو، وبدأ السياسيون في كل من روسيا والغرب يتحدثون صراحة عن حرب باردة جديدة.
وقال أندريه كوليسنيكوف، الزميل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي “مات غورباتشوف بطريقة رمزية عندما دمر بوتين بشكل فعال ما أنجزه في حياته، الحرية”.
وقالت وكالة (تاس) للأنباء نقلًا عن مؤسسة أنشأها الزعيم السوفيتي السابق بمجرد تركه منصبه، إن غورباتشوف سيُدفن في مقبرة نوفوديفيتشي بموسكو بجوار زوجته رايزا التي توفيت عام 1999.
وعندما اجتاحت الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية دول الكتلة السوفيتية في أوربا الشرقية الشيوعية في عام 1989، أحجم عن استخدام القوة، على عكس قادة الكرملين السابقين الذين أرسلوا الدبابات لسحق الانتفاضات في المجر عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا في عام 1968.
لكن الاحتجاجات غذت التطلعات إلى الحكم الذاتي في 15 جمهورية من الاتحاد السوفيتي الذي تفكك خلال العامين التاليين بطريقة عمتها الفوضى.
وحاول غورباتشوف -الذي أطاح به متشددون بالحزب الشيوعي لفترة وجيزة بانقلاب في أغسطس/آب 1991- الحيلولة دون هذا الانهيار، لكن جهوده باءت بالفشل.

إصلاحات واضطرابات
قال فلاديمير شيفتشينكو، الذي ترأس مكتب البروتوكولات في عهد الزعيم السوفيتي “عصر غورباتشوف هو عصر البيريسترويكا، عصر الأمل، عصر دخولنا إلى عالم خالٍ من الصواريخ. لكن كان هناك خطأ واحد في تقدير الأمور: لم نكن نعرف بلدنا جيدًا”. ونقلت وكالة الإعلام الروسية عنه قوله “لقد انهار اتحادنا. كانت تلك مأساة، ومأساة له”.
عندما أصبح غورباتشوف أمينًا عامًّا للحزب الشيوعي السوفيتي في عام 1985 وعمره 54 عامًا فقط، شرع في إعادة إحياء النظام عبر إدخال حريات سياسية واقتصادية محدودة، لكن إصلاحاته خرجت عن نطاق السيطرة.
وسمحت سياسته (جلاسنوست) -أو حرية التعبير- بانتقاد الحزب والدولة بشكل لم يكن ممكنًا تصوره في السابق، ولكنها شجعت أيضًا القوميين الذين بدؤوا في الضغط من أجل الاستقلال في جمهوريات البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) وأماكن أخرى.
ولم يغفر كثير من الروس لغورباتشوف الاضطرابات التي أحدثتها إصلاحاته، معتبرين أن التراجع اللاحق في مستويات المعيشة ثمن باهظ للغاية مقابل الديمقراطية.
وقال فلاديمير روغوف -وهو مسؤول عينته روسيا في جزء تحتله القوات الموالية لها في أوكرانيا- إن غورباتشوف “قاد عمدًا الاتحاد (السوفيتي) إلى زواله” ووصفه بالخائن.