راشيل كوري وآرون بوشنل.. أمريكيان قدما حياتهما من أجل غزة

مسيرة لجمعيات تركية في أنقرة إلى مقر السفارة الأمريكية رفعت صور راشيل كوري وآرون بوشنل
مسيرة لجمعيات تركية في أنقرة إلى مقر السفارة الأمريكية رفعت صور راشيل كوري وآرون بوشنل (مواقع التواصل)

قبل أن يُقدم الجندي الأمريكي آرون بوشنل على إشعال النار في نفسه فبراير/شباط الماضي، تحدث بوضوح وصراحة لتفادي أي شبهة غموض أو تدليس، ولمنع تحريف دوافعه إلى ما سيفعل.

“أنا عضو قيد الخدمة في القوات الجوية الأمريكية”. هذا ما وصف به بوشنل نفسه أمام السفارة الإسرائيلية بواشنطن، رافضًا أن يكون “متواطئًا في الإبادة الجماعية”.

وقال بوشنل إن “إدارة الولايات المتحدة تعتبر ما يشهده الفلسطينيون على أيدي الاحتلال أمرًا طبيعيًّا”، وأبى أن يشارك في هذا الاقتناع الرسمي، مخالفًا الدعاية الموجهة إلى الجماهير الغربية.

سكب بوشنل بعدها على نفسه سائلا شفّافًا وأضرم النار في جسده وهو يكرّر: “فلسطين حرة”.

أثارت حركة بوشنل المنفردة صدمة كبرى في العالم، وهزّت أوساط الأمريكيين بعنف. أراد بوشنل أن يوقظ بلده ومواطنيه من سباتهم، ودفع حياته ثمنًا لذلك.

أعادت فدائيته إحياء ذكرى الناشطة الأمريكية ذات الدم الفلسطيني راشيل كوري التي قُتلت قبله بعقدين من الزمن.

راشيل كوري تواجه الجرافة الإسرائيلية

التورط الأمريكي في الإبادة الجماعية

اشتركت راشيل كوري مع آرون بوشنل في لون البشرة الناصع البياض، والشعر الأشقر الذهبي، والعيون الزرقاء السماوية، وماتت مثله في النصف الأول من عشرينيات العمر، ووافقته في رفض الإبادة الجماعية لشعب غزة.

اتهمت كوري حكومة الولايات المتحدة بدعم هذه الإبادة قبل أكثر من 20 عامًا، وأرسلت إلى والدتها من رفح في 27 فبراير/شباط 2003، قائلة: “يجب أن نتخلى عن كل شيء ونكرس حياتنا لإيقاف هذه الإبادة الجماعية المستمرة والغادرة”.

نبوغ مبكر وحساسية مرهفة

نشأت كوري في أسرة ميسورة الحال، وترعرعت بين الشلالات والجبال الأولمبية وغابات بيري كريك بولاية واشنطن. وهبتها الطبيعة من حولها حبّ المغامرة والفنون والكتابة والشعر، ومنحتها روحًا وثابة ومرحة وشجاعة، لكنها كرهت أن تحبس نفسها في فقاعة مدينتها.

صُدمت كوري حين عبرت المحيط الأطلسي بعالم آخر ما كانت لتصدّق وجوده لولا أنها رأته بنفسها، كما دوّنت في رسائلها.

خاطبت والدتها وهي في الـ19 من عمرها: “ما الذي سأكتب عنه لو بقيت فقط داخل منزلي الفخم، وعالمي الوردي؟ دعيني أقاتل وحوشي”.

مثل بوشنل، أدركت كوري الامتيازات التي حظيت بها بوصفها أمريكية، فأرادت أن تتصل بشكل أقوى بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتقابل شخصيًّا من يتأثرون على الطرف الآخر بالضرائب التي تدفعها.

أيام راشيل الأخيرة

شاركت راشيل مع حركة التضامن الدولية التي جعلت من أفرادها دروعًا بشرية لحماية منازل الفلسطينيين، وتخلّت في كتاباتها الأخيرة إلى والديها عن تعبيراتها الحالمة بعد اصطدامها بأرض الواقع. لقد التقت أطفالًا لم يروا الشاطئ المجاور في حياتهم بسبب الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية، وشعرت بالأسف لذلك.

بعثت إلى والدتها: “هذا ليس العالم الذي أردت أنت وأبي أن آتي إليه عندما قررتما إنجابي”. ووفقًا لكتاباتها، احتجت راشيل على أن تحيا حياة مريحة وهي تجهل تمامًا مشاركتها بأموال ضرائبها في إبادة جماعية.

في رفح التي تغصّ اليوم بأكثر من مليون نازح، وقفت راشيل كوري في الـ16 من مارس/آذار 2003 بشعر مبعثر، مرتديةً سترة برتقالية فسفورية اللون، وبنطالا من الجينز، وظلّت صامدة لساعات أمام جرافة كاتربيلر D9 المدرعة التي تُصنع في الولايات المتحدة وتُرسل إلى إسرائيل حتى الآن ضمن حزمة المساعدات الأمريكية من أموال دافعي الضرائب.

حاولت راشيل أن تمنع الجرافة عن التقدم لتدمير بيت عائلة نصر الله، لكن السائق واصل القيادة نحو المنزل، سحقت الجرافة الأمريكية جسد كوري النحيل مرتين، وكانت كلماتها الأخيرة لرفاقها في الحركة: “ظهري مكسور”.

برأت التحقيقات ساحة السائق الإسرائيلي، وكذلك الشركة المصنعة للجرافة الأمريكية، ونُقل عن متحدث باسم قوات الاحتلال أن وفاة راشيل كانت “حادثًا مؤسفًا” واصفًا سلوك الناشطة بأنه “غير مسؤول”.

تهاون أمريكي رسمي

وكما هو متوقع، لم تحقق الإدارة الأمريكية العدالة لمواطنتها، وتجاهل الكونغرس طلبات التحقيق في مقتل راشيل بضغط من اللوبي الإسرائيلي.

ولم تتخذ إدارة جورج بوش أي إجراء لمحاسبة إسرائيل على انتهاكات حقوق الإنسان، رغم سرعة ردّ إدارته عندما قُتل 3 مواطنين أمريكيين في 15 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، بانفجار اتُّهم بتنفيذه مقاتلو المقاومة الفلسطينية في غزة، ووصل أفراد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى موقع الحادث في غضون 25 ساعة.

تواصلت أسرة راشيل مع لورانس ويلكرسون، رئيس موظفي وزير الخارجية آنذاك كولن باول، فقال لهم: “أنتم تفعلون الشيء الصحيح بالسعي وراء العدالة”، ثم استدرك محذرًا: “لكنكم قد لا ترون النتائج أبدًا”.

كوري وبوشنل: تهميش في الإعلام الغربي

بسبب تزامنه مع غزو العراق، لم يثر مقتل راشيل ضجة في الغرف السياسية بالقدر الكافي، ولم يشغل مساحة مناسبة من صفحات الصحف، لكن وسائل الإعلام اليمينية في إسرائيل والولايات المتحدة شنّت عليها حملة تشهير.

تبنّت صحيفة وول ستريت جورنال الرواية الإسرائيلية، ووصف المحرر جيمس تارانتو الناشطة في الذكرى السنوية الأولى لمقتلها بأنها “مدافعة عن الإرهاب، قُتلت في حادث جرافة أثناء محاولتها عرقلة عملية إسرائيلية ضد أنفاق تهريب الأسلحة الفلسطينية”.

لم يختلف الأمر كثيرًا مع بوشنل، ولم يسلم من الاتهامات بتأييد الإرهاب. أرسل السيناتور توم كوتون، رسالة إلى وزير الدفاع يستجوبه: لماذا وكيف يمكن للبنتاغون أن يتسامح مع وجود طيار مثل بوشنل في صفوفه، واصفًا وفاته بأنها “عمل من أعمال العنف المروع”، التي مثلت “دعمًا لجماعة إرهابية”.

لم يساند البنتاغون الجندي المنتسب إليه، وقال المتحدث باسمه: “من العدل أن نقول إن الانتحار عن طريق التضحية بالنفس هو عمل متطرف”.

تجاهلت وسائل الإعلام الأمريكية ذكر سبب حرق الجندي الأمريكي لنفسه، وادّعى بعضها معاناته من اضطرابات نفسية، ولم تتناول تأثير الواقعة في الرأي العام الأمريكي.

بحثت صحيفة واشنطن بوست في خلفية آرون بوشنيل التربوية الدينية، وزعمت ميله إلى الأناركية، في إشارة إلى اعتناقه ذهنية متطرفة.

بوشنل حاول أن يوقظ الولايات المتحدة من غيبوبة إخلاقية
بوشنل حاول أن يوقظ الولايات المتحدة من غيبوبة أخلاقية (رويترز)

أيقونات التضحية ورموزها

أُطلق اسم بوشنل على أحد الشوارع في مدينة أريحا، وكرّمت غزة بطلها الأمريكي برفع صورته على الهواتف في طرقها المدمرة جراء الحرب، وأرفقتها بجملة: “من غزة إلى تكساس، لن ننساك أبدًا”.

كرّم أهالي غزة من قبله راشيل بجداريات عديدة كرمز للتضامن الأجنبي، خطّ لها الناشط البريطاني توم هارندل الذي لحق بها بعد أسابيع على إحدى الجداريات: “راشيل التي جاءت إلى رفح لوقف الدبابات، نحن نتذكرك بالحب والتكريم كإلهام”.

ربما لم تعد الجداريات باقية الآن جراء سياسة التدمير الإسرائيلية الجارية، لكن صورتها ستعود تزيّن الجدران، برفقة آرون بوشنل هذه المرة.

لم يعش كلاهما حياة طويلة، لكن يمكن الوثوق بأنهما عاشا حياة عريضة، امتدّ أثرها عبر العالم، وانتقل صداها خلال الزمن.

المصدر : الجزيرة مباشر