بعدما فتك الجوع بالسودان.. “التكايا” ملاذ الجائعين لسد الرمق في أم درمان (فيديو)

مع تفاقم الأزمة الإنسانية وتصاعد معدلات الجوع في السودان، استدعى السودانيون إرثا قديما يسمى “التكايا”، وهي تجمُّعات تقام في أماكن عامة مثل المساجد أو ساحات الأحياء، يشرف عليها الخيّرون بالتطوع في تقديم المأكل والمشرب لكل رواد التكية.

ومع طول أمد القتال في السودان لأكثر من عام، فقدَ عثمان زين العابدين وزنه، وتدهورت صحته بسبب الجوع وانعدام الغذاء، مما جعله يلجأ إلى مجمع الشيخ الأمين عمر الأمين الواقع في حي ود البنا وسط أم درمان.

وعثمان ليس الوحيد الذي جاء به الجوع إلى هذا المكان، فمثله المئات من مختلف الأعمار، وفدوا إلى “المسيد” (التكية) في رحلة الحصول على الطعام، وفق ما يقول الأمين عمر الأمين، أحد مشايخ الطرق الصوفية بالسودان، فإنه بعد اندلاع الحرب لجأ إلى “مسيده” العديد من سكان أحياء أم درمان القديمة خاصة كبار السن، ويصل عدد رواد تكيته إلى نحو 2000.

وأوضح الشيخ الأمين عمر للجزيرة مباشر “المسيد يوفر 3 وجبات يوميا، ونعمل على تنويع الطعام بتقديم أصناف مختلفة مثل الملوخية والفاصوليا والبطاطس”.

في مطبخ واسع وسط “المسيد”، يشارك أتباع الشيخ الأمين ومريدوه في خدمة رواد التكية عبر طهو الوجبات اليومية والإشراف على توزيعها وغسل الأواني، إضافة إلى وقوفهم على مختلف احتياجات الضيوف.

وأوضحت وصال محمد الحسن التي تعمل مشرفة في التكية أنهم يعانون لتوفير احتياجاتها خلال الأشهر الأولى من القتال، وذلك بسبب الحصار وإغلاق العديد من الطرق الموصلة إلى الأسواق المحلية.

وأشارت وصال إلى استمرار عمل التكية رغم ندرة السلع الاستهلاكية، مضيفة “كنا نشتري احتياجات التكية من الأسواق المحلية، ولاحقا بعد تعذر الوصول إلى سوق ليبيا، أصبح الشيخ الأمين يرسل أتباعه لجلب احتياجات الطعام من سوق جبل الأولياء جنوبي الخرطوم”.

في أحد حارات منطقة الثورة شمالي أم درمان، يصطف عدد من المواطنين في إحدى التكايا لأخذ حصصهم اليومية من الطعام، التي بدأت بتقديم الفول المصري لسكان الحارة منذ اندلاع الحرب، ولاحقا توسعت فئاتها المستهدَفة لتشمل النازحين إلى الحارة.

وتُعَد منطقة الثورة من المناطق الآمنة نسبيا بولاية الخرطوم، وأقلَّ تأثرا من المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتضم حاراتها أعدادا كبيرة من تكايا الطعام، ويزيد عدد رواد هذه التكايا بسبب وفود أعداد كبيرة من النازحين الآتين من مختلف أحياء مدينة أم درمان.

وقال محجوب عباس، وهو أحد القائمين على أمر (تكية الخامسة) “في اليوم الواحد نوزع الفول لحوالي 70 أسرة، وأحيانا يصل العدد إلى 90، ونتحصل على الدعم المادي لتكيتنا من أبناء الحارة المقيمين بالخارج”.

ورغم تواصل عمل تكية الحارة الخامسة لأكثر من عام، فإن ضعف التمويل يهدد استمرارها، فضلا عن انقطاع الاتصالات المستمر الذي أثّر في عمليات التحويلات المالية من الخارج.

وحسب القائمين على التكية، فإن الزاد المتبقي لهم يكفي 4 أيام قادمة فقط، إذ تشتكي الحاجة سلوى محمد التي تتولى مهمة إعداد الفول من ارتفاع تكاليف السلع الاستهلاكية، بجانب وصول سعر غاز الطهي إلى 40 ألف جنيه سوداني (نحو 70 دولار).

وعُرفت التكية السودانية تاريخيا بوصفها واحدة من أقوى مظاهر الترابط الاجتماعي في البلاد، ومع استمرار الحرب الحالية فإنها تقدّم وجبات الطعام اليومية إلى العائلات الأشد فقرا، وتسد رمق آلاف المحتاجين في العاصمة الخرطوم.

المصدر : الجزيرة مباشر