طلاب “نورثويسترن” الأمريكية يقاضون جامعتهم رفضا لتدريب “إجباري” على “معاداة السامية”

جامعة نورثويسترن بولاية إلينوي الأمريكية
جامعة نورثويسترن بولاية إلينوي الأمريكية (رويترز)

أقام عدد من طلاب الدراسات العليا بجامعة نورثويسترن بولاية إلينوي الأمريكية، دعوى قضائية ضد الجامعة، متهمين إدارتها بفرض تدريب إلزامي حول معاداة السامية، اعتبروا أنه يساوي بين انتقاد إسرائيل أو الصهيونية وبين كراهية اليهود.

الدعوى التي قُدّمت في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أمام المحكمة الفدرالية في شيكاغو، بولاية إلينوي، جاءت بدعم من مكاتب محاماة ومنظمات حقوقية بارزة، بينها مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير).

وقال الطلاب في الدعوى التي تقدموا بها إن التدريب الذي طُوّر بالتعاون مع منظمة الاتحاد اليهودي، يروّج لرواية سياسية واحدة، ويحوّل التضامن مع فلسطين إلى جريمة أكاديمية.

منصة تعليمية أم أداة قمع فكري؟

يحمل البرنامج الذي اعترض عليه الطلاب عنوان “بناء مجتمع يحترم التنوع وكسر التحيّز”، ويُلزم الطلبة جميعهم بمشاهدته والتوقيع على إقرار بالالتزام بمضمونه، وذلك في ظل تهديد إداري بفرض عقوبات تشمل حرمان الطلاب من التسجيل ووقف التمويل البحثي والتأمين الصحي.

وقالت الطالبة سارة ناصر، وهي إحدى المشاركات في مجموعة “اتحاد طلبة الدراسات العليا من أجل فلسطين”، للجزيرة مباشر: “الجامعة تطلب منّا أن نوقّع على إنكار لهويتنا، وأن نعتبر الدفاع عن فلسطين شكلا من أشكال الكراهية”.

وأضافت: “هذا ليس تدريبا على التعايش، بل فرض للرواية الأقوى سياسيا”.

من جانبها قالت لورا غالوب، وهي طالبة دكتوراه ومندوبة في اتحاد طلبة الدراسات العليا من أجل فلسطين، للجزيرة مباشر، إن التدريب “يحتوي على مجموعة من اللحظات الصادمة والمعلومات المضللة”.

وأضافت موضحة: “أول ما يُعرض في التدريب هو خريطة لإسرائيل وفلسطين لا يظهر فيها اسم فلسطين أصلا. الضفة الغربية تُشار إليها باسم يهودا والسامرة، وحتى أجزاء من سوريا تُدرج ضمن حدود إسرائيل المعترف بها دوليا على أنها غير تابعة لها“.

وتابعت: “في أحد التمارين، يُطلب من المشاركين التمييز بين أقوال منسوبة لنشطاء مناهضين لإسرائيل وأخرى لزعيم منظمة كو كلوكس كلان العنصرية. ومن بين هذه الأقوال، عبارات تمثّل انتقادا سياسيا مشروعا لإسرائيل، لكن الصوت المرافق للتدريب يقول: ’بالنسبة لمعظم اليهود، كل هذه الأقوال تبدو متشابهة‘، في رسالة صريحة بأن أي نقد لإسرائيل يُعتبر عداء للسامية”.

وترى غالوب أن “التدريب ليس مجرد مادة تعليمية، بل أداة لتأسيس أرضية قانونية تسمح للجامعة بمعاقبة الطلبة على أي نقد سياسي لإسرائيل”، مضيفة أن “المشكلة ليست في المشاهدة فحسب، بل في الإقرار الإجباري بمحتوى سياسي أحادي”.

وتضيف أن “الجامعة تُقدّم هذا التدريب بإيعاز من منظمة موالية لإسرائيل هي الاتحاد اليهودي، في وقت يواجه فيه الطلاب تهديدات تمسّ تمويلهم وأوضاعهم القانونية”، معتبرة أن ما يجري “يمثّل عملية قمع سياسي ممنهجة تحت غطاء تربوي”.

حرية أكاديمية على المحك

ترى أصوات أكاديمية أن القضية تتجاوز مجرد تدريب رقمي، إذ تعبّر عن اختبار لمبدأ الحرية الأكاديمية ذاته.

في مقابلة مع الجزيرة مباشر، قالت إيدن ميليس، وهي طالبة دكتوراه بجامعة نورثويسترن: “الضغوط التي يتعرض لها الطلبة غير مسبوقة، إذ يُحرم بعضهم من التسجيل أو السكن الجامعي أو المنح الدراسية إذا رفضوا الخضوع للتدريب”.

وأضافت: “المشكلة أن هذا التدريب ليس علميا ولا أكاديميا، بل يخلو من أي مصادر أو مراجع، ويقدّم خلطا بين الدين والسياسة في إطار دعائيّ، مما يخلق سابقة خطيرة تسمح للجامعة بفرض مواد سياسية على طلابها دون مساءلة”.

وأكدت ميليس أن “الخطير في الأمر أن التدريب المفروض على الطلبة ليس هو نفسه الذي خضع له الأساتذة والموظفون، ما يكشف تمييزا واضحا في المعاملة”، مشددة على أن “الطلبة أُجبروا على الامتثال تحت التهديد بفقدان تعليمهم أو تأخير تخرجهم”.

وأضافت: “هذه الخطوة تمثل رضوخا واضحا من إدارة الجامعة لضغوط سياسية، خصوصا بعد تجميد منح حكومية بمئات الملايين من الدولارات بدعوى عدم حماية الطلبة اليهود”.

وأوضحت أن الطلاب يسعون من خلال الدعوى القضائية ضد إدارة الجامعة أن يبعثوا برسالة إلى الجامعات الأخرى بأن “الطلاب ليسوا سذّجا، وأنهم قادرون على كشف متى تُفرض سياسات لأغراض سياسية لا تعليمية”.

القضاء يرفض وقف العقوبات

ورغم مطالبة الطلاب بقرار قضائي عاجل يمنع الجامعة من معاقبتهم، رفضت القاضية الفدرالية جورجيا أليكاس إصدار أمر مؤقت بوقف تنفيذ العقوبات، وقالت إن الجامعة لا تُجبر الطلاب على تبنّي رأي سياسي، بل تطلب منهم فقط مشاهدة التدريب.

لكن فريق الدفاع عن الطلاب وصف هذا الموقف بأنه “تبسيط خطير”، مؤكدين أن الخطر لا يكمن في المشاهدة، بل في “الإقرار الإجباري” بمضامين تعتبر انتقاد الصهيونية عملا عدائيا.

صوت يتجاوز الحرم الجامعي

تأتي هذه القضية في وقت حساس، إذ جُمّدت هذا العام منح حكومية لجامعة نورثويسترن بقيمة 790 مليون دولار بسبب شكاوى تتعلق بـ”عدم حماية الطلبة اليهود”، ما دفع ناشطين إلى اتهام الإدارة الجامعية بمحاولة استرضاء الحكومة الفدرالية على حساب حرية التعبير.

وقالت المحاضرة ريبيكا زوراخ، وهي أستاذة تاريخ الفن بجامعة نورثويسترن، في تصريح للجزيرة مباشر إن هذه اللحظة “تعكس مناخا مخيفا في الولايات المتحدة، حيث يضعف احترام حرية التعبير أمام الضغوط السياسية”، مضيفة: “خضوع الجامعة لضغوط الإدارة وسلطات سياسية يفرض مناخا من الخوف ويقوّض حرية التعبير”.

وقالت زوراخ إنها تشعر بالفخر تجاه الطلاب “الذين يواصلون التحدث بجرأة عن هويتهم وتجاربهم وإنسانيتهم، دفاعا عن الحقيقة وعن غزة، وعن كل من يتعرض للاضطهاد”.

ما وراء الدعوى

بالنسبة للطلاب، فإن القضية تتجاوز مجرد تدريب إلكتروني، فهي تعكس معركة أوسع حول حدود تعريف معاداة السامية، وكيف يُستخدم هذا التعريف لتجريم الخطاب المؤيد لفلسطين في الجامعات الأمريكية.

وتبقى الأسئلة الأهم معلقة: هل يمكن لمؤسسة أكاديمية أن تفرض على طلابها تعريفا سياسيا للهوية والكراهية؟ وهل يصبح الدفاع عن فلسطين جريمة أكاديمية في أرض الحرية الفكرية؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان