مبادرة شبابية من قلب الركام في خان يونس.. أدوات بسيطة لإعادة فتح المحال وبعث الحياة (فيديو)

من بين أكوام الركام والغبار المتصاعد من أنقاض المنازل والمحال التجارية المدمَّرة، يرسم شبان من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة ملامح مبادرة إنسانية بسيطة في أدواتها، عميقة في دلالاتها، عنوانها كسر الركام وفتح أبواب الأمل من جديد.
كاميرا الجزيرة مباشر رصدت وسط مدينة خان يونس، حيث يعمل عدد من الشبان في مشروع ناشئ يقوم على إزالة ركام البيوت والمحال التي دمرها القصف الإسرائيلي، مستخدمين أدوات يدوية بدائية مقابل أجر رمزي، بهدف تمكين أصحابها من العودة إلى ممتلكاتهم واستئناف حياتهم ومصادر رزقهم.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ملابس مبتلة وصرخة أمّ.. مأساة رضيع تجمد في حضن والدته وسط خيام غزة (فيديو)
- list 2 of 4“أدخلوا الكرفانات”.. صرخات من تحت المطر في غزة وحملة تطالب بإنهاء مأساة الخيام (فيديو)
- list 3 of 4“صناعة الخونة”.. لماذا يكرر الاحتلال تجربة “أبو شباب” بعد مقتله في غزة؟ (فيديو)
- list 4 of 4ألم الأبوة والخسارة الموجعة.. مأساة عائلة الشواف بين الحرب والحرمان في غزة (فيديو)
شغل موت
وسط البلد، الذي تحوَّل بفعل الحرب إلى مساحة مثقلة بالحجارة والحديد والإسمنت، أصبح ورشة عمل مفتوحة لهؤلاء الشبان الذين يقضون ساعات طويلة في الحفر والتكسير، في مهمة يصفونها بأنها “شغل موت”، لكنها في الوقت ذاته وسيلتهم الوحيدة للبقاء ومساعدة غيرهم على الصمود.
ويقول أبو جهاد العرجة، صاحب فكرة المبادرة، إن المشروع انطلق قبل نحو 10 أيام فقط، وتم خلال هذه الفترة العمل على أكثر من محل تجاري، مع الاستعداد للانتقال إلى مواقع أخرى.
ويوضح أن غياب المعدات الثقيلة يشكل العائق الأكبر أمامهم، مضيفا “نشتغل بالمهدات والمقصات، وما عنا معدات. لو توفرت الأدوات الثقيلة لكان العمل يُنجَز في أيام قليلة بدل أسابيع”.
عودة الحياة
ويشير أبو جهاد إلى أن الهدف لا يقتصر على توفير مصدر رزق للشبان العاملين، بل يتعداه إلى مساعدة أصحاب المحال والعائلات على تنظيف أماكنهم من بقايا القصف، وفتح الطريق أمام عودة الحياة إليها ولو بالحد الأدنى.
ويشارك في المبادرة شبان اعتادوا العمل في مهن شاقة قبل الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم بعد العدوان أمام واقع اقتصادي خانق. أحدهم يقول إنهم يعملون على “المهدة والكريكي والجرادل والدبش” لإزالة ركام طوابق كاملة وفتح مداخل المحال والمنازل، مؤكدا أن هذا العمل رافقهم منذ طفولتهم، وأنهم “مولودون على المهدة”.
مساعدة الناس
أما عن الصعوبات فيشير العاملون إلى ثِقل الأدوات اليدوية، إذ يصل وزن بعضها إلى أكثر من 20 كيلوغراما، فضلا عن الأخطار المحيطة بالعمل تحت أسقف متصدعة وجدران مهدَّدة بالانهيار، في ظل غياب أي وسائل حماية أو دعم لوجستي.
وفي موقع آخر، يوضح أحد الشبان أنهم نجحوا في إنزال ركام 5 طوابق لفتح محل تجاري بمساحة محدودة، مستخدمين معدات يدوية فقط لأن الأدوات الهوائية غير متوفرة. ويضيف أن كسر الأسقف الخرسانية بهذه الوسائل “ليس بالأمر السهل” لكنه الخيار الوحيد المتاح.
ورغم قسوة العمل وضآلة المقابل المادي، يؤكد الشبان أن دافعهم الأساسي هو مساعدة الناس وتأمين قوت يومهم في ظل واقع اقتصادي “ميت”، كما يصفونه. ويقول أحدهم “نشتغل عشان نأكل ونشرب ونعيش. الحياة صعبة، لكن بدنا نكمل”.
حلول فردية
وتعكس هذه المبادرات الصغيرة مشهدا أوسع من محاولات الفلسطينيين في قطاع غزة التكيف مع آثار الحرب عبر حلول فردية وجماعية تعتمد على الإمكانات المتاحة مهما كانت محدودة، فإزالة الركام هنا لا تعني فقط فتح محل أو ترميم منزل، بل تمثل خطوة أولى في طريق طويل لإعادة الحياة إلى مدينة أثقلها الدمار.
ورغم قلة الإمكانات وشدة المعاناة، يواصل هؤلاء الشبان عملهم يوميا متحدين الخطر والتعب، في محاولة لخلق مصدر رزق لأنفسهم، ومساندة العائلات وأصحاب المحال على الوقوف مجددا على أقدامهم.
من وسط مدينة خان يونس، حيث تختلط أصوات التكسير بأنفاس الإرادة، يواصل الشبان حفرهم في الركام بحثا عن حياة ممكنة، ولو بأدوات بسيطة.