حين يصبح العدل مكلفا.. المصريون يرفعون شعار “الصلح خير” في المحاكم هربا من رسوم التقاضي

داخل أروقة محكمة النقض بوسط العاصمة المصرية يتزايد الجدل بين أفراد عائلة “دياب” من حي الضاهر القريب من المحكمة بشأن اقتراحات بقبول التصالح والعودة إلى مائدة الحل العرفي لتسوية توابع اشتباكات مع صاحب معرض سيارات بعد أن تعقّدت الخلافات وتشابكت التفاصيل ثم جاءت الرسوم القضائية الباهظة لتثقل كاهل الجميع كما يقول صابر دياب أحد أطراف النزاع للجزيرة مباشر.
ويشير دياب إلى حافظة أوراق ضخمة برفقة أحدهم قائلا إن هذه الأوراق والشهادات كلّفت وحدها أكثر من 10000، وبينما يسارع محامي العائلة سامي جميل للتوضيح قائلا “كانت قبل شهور قليلة تكلف 500 جنيه فقط” (الدولار يعادل 51 جنيها تقريبا).
ولم تكن عائلة دياب أسعد حالا من شربات عبد الحق التي تحدث للجزيرة مباشر أيضا عن رسوم لاستخراج أوراق ومراجعة ملفات تجاوزت 8000 جنيه بقضية استعادة منقولات شقة الزوجية بعد حكم طلاق.
ويلتمس المحامي والباحث القانوني عاطف عبد المعز العذر لموكليه ويقول للجزيرة مباشر إن الجميع ربما يرفع حاليا شعار الحلول العرفية ويتجه للتسوية بعيدا عن القانون محذرا من أن ضياع الحقوق يهدد السلم المجتمعي.
وألمح عبد المعز إلى أن شعار “الصلح خير” جيد لكن بشرط ضمان الحقوق موضحا أن الحلول العرفية “رغم نجاعتها بكثير من الظروف تظل مؤقتة وتفتقر إلى آليات تنفيذ فعلية. ويلخص عبد المعز الأزمة ساخرا “التقاضي أصبح لمن استطاع” معتبرا أن الحكومة يجب أن تنظر بعناية إلى أزمات المحامين المتزايدة التي يتحملها المتقاضون في النهاية.
القاضي الطبيعي
ومع التخوف من تمدد مجالس القضاء العرفية يحذر عبد المعز من خطورة تغييب القوانين الرسمية، في حين يلفت النائب ضياء الدين داود في كلمة أمام البرلمان إلى أهمية احتكام الناس إلى قاضيهم الطبيعي محذرا الحكومة من الدخول في مواجهة جديدة مع المحامين.
إضراب عام
وبينما رفض القضاة الرد على استفسارات وسائل الإعلام، يتجه مجلس النواب لمناقشة أزمة الرسوم التي تقول نقابة المحامين إنها غير قانونية ولم تصدر بقانون من البرلمان صاحب الاختصاص. وينص الدستور المصري بالمادة 97 على أن “التقاضي حق مصون ومكفول للجميع، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي وتسهيل إجراءاتها”.
ووفق بيانات نقابية رسمية، يبلغ عدد المحامين في مصر 322 ألفا و152 عضوا في النقابة العامة بالقاهرة و37 نقابة فرعية بمختلف المحافظات.
وكانت النقابة العامة للمحامين قد نفذت إضرابا عاما عن الحضور أمام جميع الدوائر بمحاكم الاستئناف بجميع مقارها ومأمورياتها التابعة لها، يوم الخميس الثامن من مايو/أيار الجاري، وذلك في إجراء رمزي احتجاجي على ما تم فرضه من رسوم بلغت 500%.
خروج على الدستور
وطالب نقيب المحامين المصريين عبد الحليم علام أمام مجلس النواب بتدخل الحكومة لنزع فتيل الأزمة واحتواء التوتر الجاري بسبب الرسوم التي قال إنها تشكل “خروجا على الدستور والقانون والأطر التشريعية” مبينا أن المحامين ليسوا في صراع مع أي مؤسسة.
وبينما لقيت دعوة الإضراب تجاوبا قالت نقابة المحامين إنه وصل إلى 90% عبّر المحامي منتصر الزيات عبْر فيسبوك عن دعمه للحراك ضد الرسوم الجديدة، وحذر من تصعيد محاكم الاستئناف للأزمة وردها بشطب القضايا عقابا للمحامين.
ويضرب المحامي خالد عمار مثالا للرسوم بأن ثمن تصوير الورقة الواحدة يصل إلى 33 جنيها قائلا “لو قضية حضرتك 100 ورقة تدفع 3300 جنيه”.
دولة القانون
ويتحدث كرم إسماعيل -وهو عضو مجلس مصالحات عرفية بمنطقة المنصورية بمحافظة الجيزة- عن إقبال متزايد على الحلول الأهلية، ويربط ذلك مباشرة بزيادة الرسوم القضائية ويقول للجزيرة مباشر إن تكاليف التقاضي فاقمت الخلافات الاجتماعية وأطالت أمد القضايا أمام المحاكم.
واعتبر إسماعيل أن مجالس الحكم العرفية جزء من “العدالة”، موضحا أنه يتم الاستناد على كافة الضمانات ودرجات التظلم والاستئناف المختلفة وصولا إلى الحق في الطعن في المحكمين، ويشير إلى أن الأوراق التي يجري توقيعها بتلك الجلسات يتم التعامل بها لاحقا عند اللجوء إلى المحاكم الرسمية.
في المقابل يرفض الاستشاري القانوني أحمد أبو زيد اللجوء إلى المجالس العرفية معتبرا في حديثه للجزيرة مباشر أنها يمكن أن تساهم فقط في إزالة مؤقتة لأسباب النزاع لكن لا يمكن الاستغناء عن القضاء الرسمي خاصة في أحوال الجنايات.
وأشار إلى أن الدولة شجعت تلك المجالس في البداية لإنهاء نزاعات الثأر والتوتر الطائفي بالصعيد منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي لكنها حققت نجاحا محدودا، على حد تعبيره. ويشير أبو زيد إلى أن الأولوية للقاعدة القانونية المكتوبة، موضحا أن محكمة النقض قضت بأنه لا يجوز اعتماد العرف إلا في عدم وجود نص تشريعي.
وأضاف “في غياب الدولة الصلح ليس خيرا”. كما اعتبر أن شيوع الحلول العرفية بالمناطق الريفية والشعبية يأتي في إطار البحث عن حق التقاضي، محذرا من أن اتساع تلك الظاهرة يعزز الشعور بعدم الأمان ويهدد العدالة ويرفع معدلات الجريمة “بعد أن يترسخ الاعتقاد بغياب دولة القانون”.

بديل جيد
ويثمن المحامي أحمد أبو زيد تأسيس مكاتب لفض المنازعات بقضايا الأسرة وديا قبل التقاضي، موضحا أن القانون رقم 10 لسنة 2024 نظم هذا الإجراء مع ارتفاع معدلات الطلاق والنزاعات الزوجية وتوقع أن يتزايد الإقبال على مكاتب التسوية الودية لارتفاع الرسوم التي “أثقلت كاهل الجميع وتم تطبيقها رغم استثناء القانون لقضايا الأسرة والطفل”.
واعتبر أبو زيد أن تلك المكاتب تقدم بديلا جيدا عن القضاء العرفي، موضحا أن اللجوء إليها وجوبي بقضايا الخلع وحضانة الأطفال.
وهنا يدعو الباحث القانوني عاطف عبد المعز إلى تعديلات تشريعية لدمج المجالس العرفية بالقانون وجعلها درجة من درجات التقاضي، معتبرا أن مكاتب فض المنازعات بشكل ودّي بمحاكم الأسرة نموذج قابل للتعميم.