ما الذي تخشاه إدارة ترامب في قضية إبستين؟

(FILES) This undated handout photo obtained July 11, 2019 courtesy of the New York State Sex Offender Registry shows Jeffrey Epstein.
جيفري إبستين الذي عادت قضيته إلى الواجهة مرة أخرى رغم وفاته (الفرنسية)

تعود قضية جيفري إبستين إلى واجهة السجال السياسي في الولايات المتحدة، ليس من بوابة القضاء، بل من قلب البيت الأبيض، إذ يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مرمى انتقادات غير مسبوقة، ليس من خصومه فحسب، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه.

فبينما كان كثير من أنصار ترامب ينتظرون أن يفي بوعوده بالكشف الكامل عن ملفات إبستين فور عودته إلى البيت الأبيض، باتت إدارته تواجه اتهامات بالتكتم، والتراجع عن الشفافية، بل وحتى التستر، في قضية ظلت لسنوات رمزا لنظريات المؤامرة والاشتباه في شبكات نفوذ نخبوية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

حلفاء يتحولون إلى منتقدين

رغم أن الرئيس ترامب كان قد تعهد إبان حملته الانتخابية في 2024 بفتح “كل ملفات إبستين”، إلا أن قرار وزيرة العدل، بام بوندي، بعدم نشر وثائق إضافية أثار غضب حتى أوفى مؤيدي ترامب في الكونغرس.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون، أحد أكثر الجمهوريين ولاء لترامب، خرج عن صمته وقال في مقابلة بودكاست مع المذيع المحافظ بيني جونسون: “أنا مع الشفافية”، مؤكدا أن “الموضوع حساس للغاية، ويجب كشف كل شيء وترك الناس ليحكموا”.

هذا التصريح لم يكن معزولا، بل جاء في سياق دعوات متصاعدة من نواب جمهوريين بارزين، من بينهم آنا بولينا لونا (فلوريدا)، ومارغوري تايلور غرين (جورجيا)، ولورين بويبرت (كولورادو)، لاتخاذ إجراءات حازمة، مثل تعيين مستشار خاص للتحقيق في ما تبقى من خيوط قضية إبستين.

تصويت نادر وتحالف مع الديمقراطيين

في خطوة نادرة، صوت النائب الجمهوري رالف نورمان مع الديمقراطيين في لجنة مساءلة وزارة العدل لإجبارها على الكشف عن مزيد من الملفات. وحذّر من أن غياب الشفافية قد يضر بالرئيس ترامب سياسيا، قائلا: “إذا لم يكن هناك شيء في هذه الملفات، فلتُعرض الصفحة الفارغة. الناس سيفهمون ذلك بسهولة. الحكومة يجب أن تعمل لأجلنا”.

أما النائب الجمهوري تشيب روي، فأكد أن الجمهوريين سيواصلون الضغط، قائلا: “نريد رؤية المزيد من المعلومات”.

انقسام داخل قاعدة “ماجا”

هذا التوتر لا يقتصر على النواب، بل يعكس انقساما أوسع داخل قاعدة لنجعل أمريكا عظيمة مجددا (ماجا)، حيث يشعر عدد كبير من أنصار ترامب بأنه لم يف بوعده بتفكيك ما يعرف بـ”الدولة العميقة”، وأنه قد يكون تراجع عن أهم وعوده الانتخابية المتعلقة بكشف المستور في ملف إبستين.

وتعزز هذا الانقسام بعدما أصدرت وزارة العدل، بإشراف المدعية العامة بام بوندي، مذكرة رسمية تؤكد فيها أن التحقيقات لم تجد ما يُعرف بـ”قائمة العملاء”، وأنه لا توجد أدلة على ابتزاز إبستين لشخصيات نافذة، وهو ما فُسّر من قبل قاعدته على أنه التفاف على الحقيقة.

وكانت بام بوندي قد صرحت سابقًا بأن “قائمة العملاء على مكتبها”، لكنها عادت لاحقًا وقالت إنها كانت تشير إلى الملفات الكاملة، وليس إلى قائمة محددة.

ترامب بين التهدئة والمراوغة

الرئيس ترامب سعى إلى تخفيف الغضب المتصاعد، فأكد دعمه الكامل لبام بوندي، قائلًا: “المدعية العامة قامت بعمل جيد للغاية… وأدارت الأمر بشكل جيد”. لكنه لم يُخفِ رغبته في الشفافية، مضيفًا: “أريد رؤية ذلك أيضًا… المصداقية مهمة جدًا، ويجب أن تكون الأدلة موثوقة”.

وعند سؤاله عما إذا كانت بام بوندي قد أبلغته بأن اسمه ورد في ملفات إبستين، نفى ترامب ذلك تمامًا، مؤكدًا أنها قدمت له “إحاطة سريعة جدًا”.

فشل محاولات احتواء الأزمة

حاول البيت الأبيض احتواء الغضب الداخلي يوم الثلاثاء، عبر دفع بام بوندي إلى الظهور الإعلامي للحديث عن إنجازات أخرى، تحديدًا في ملف مكافحة المخدرات، حيث أعلنت عن مصادرة 64 ألف رطل من مخدر الميثامفيتامين، معظمها خلال عطلة الرابع من يوليو.

لكن هذا الظهور لم يُخفّف من حدة الانتقادات، إذ طغت أسئلة الصحفيين عن قضية إبستين على المؤتمر الصحفي، ورفضت بام بوندي التعليق على علاقتها بمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ونائبه دان بونجينو، وسط تقارير عن توتر داخلي حول طريقة التعامل مع الملف.

من هو إبستين ولماذا لا تنتهي قضيته؟

جيفري إبستين، المولود في نيويورك، بدأ مسيرته المهنية بتدريس الرياضيات والفيزياء لفترة قصيرة في مدرسة خاصة مرموقة، ثم انتقل سريعًا إلى عالم البنوك الاستثمارية، حيث عمل في شركة “بير ستيرنز” قبل أن يؤسس شركته الخاصة عام 1982.

وبحسب سي إن إن، فإن إبستين كان يتعامل فقط مع عملاء تفوق ثرواتهم المليار دولار.

بحلول تسعينيات القرن الماضي، كان إبستين قد جمع ممتلكات ضخمة، منها شقق وقصور في عدة دول، بل حتى جزيرة خاصة في الكاريبي. وكان على علاقة بكبار الشخصيات الثرية والنافذة حول العالم، منهم الأمير أندرو، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ودونالد ترامب، الذين نفوا جميعهم ارتكاب أي مخالفات.

بداية الكشف عن حياته السرية

ظهرت أولى تفاصيل حياة إبستين المزدوجة عام 2005، عندما اتهمته عدة فتيات قاصرات بتقديم أموال مقابل جلسات تدليك أو أفعال جنسية في قصره بمدينة بالم بيتش. وكشفت إفادات هيئة المحلفين لاحقًا عن اتهامات باغتصاب فتيات مراهقات لا تتجاوز أعمارهن 14 عامًا.

تمكن إبستين حينها من تجنب التهم الفيدرالية عبر اتفاق قضائي خدم فيه 13 شهرًا في السجن على تهم دعارة على مستوى الولاية، وسُجل كمرتكب جرائم جنسية. ووجد تحقيق لاحق لوزارة العدل أن المدعي العام آنذاك أليكس أكوستا، استخدم “حكمًا سيئًا” في عقد الصفقة. لاحقًا، شغل أكوستا منصب وزير العمل في إدارة ترامب الأولى.

وفي عام 2018، ظهرت ادعاءات جديدة من عشرات النساء بأنه اعتدى عليهن. دفعت هذه الاتهامات وزارة العدل إلى فتح تحقيق جديد، وتم توجيه تهم له عام 2019 بالاتجار الجنسي بقاصرات، إلا أنه دفع ببراءته.

في أغسطس 2019، وُجد إبستين فاقدًا للوعي في زنزانته في مركز احتجاز مانهاتن، ونُقل إلى المستشفى حيث أُعلن عن وفاته. واعتُبرت الوفاة انتحارًا.

نظريات المؤامرة تتجدد

رغم تقارير وزارة العدل، لا تزال نسبة كبيرة من الأمريكيين، خاصة في أوساط اليمين، تشكك في رواية الانتحار. يرى كثيرون أن إبستين قُتل للتغطية على شبكة نفوذ قوية تضم سياسيين ورجال أعمال ومشاهير، وربما مسؤولين في السلطة.

ورغم نشر وثائق ومقاطع فيديو من داخل السجن، واستنتاج تقرير داخلي من 130 صفحة بعدم وجود شبهة جريمة، لا تزال الشكوك قائمة. فالنواقص الإجرائية، والصفقات السابقة، والغموض المحيط بوفاته كلها تغذي فرضية أن “شيئًا خطيرًا تم إخفاؤه”.

ترامب… الوعود غير المُنجزة

خلال حملته الانتخابية، قدّم ترامب نفسه كزعيم مستعد لكشف أسرار الدولة العميقة، وتحديدًا ما يتعلق بإبستين، لكن قرارات إدارته الأخيرة، ونبرة التراجع، تُهدد صورته بين أكثر داعميه تشددًا.

فقد فشلت مذكرة وزارة العدل التي نفت وجود قائمة عملاء أو أدلة ابتزاز في تهدئة الغضب، وبدلًا من ذلك، أثارت موجة انتقادات واسعة داخل الإعلام المحافظ ومنصات التواصل.

قال الإعلامي أليكس جونز، المعروف بترويجه لنظريات المؤامرة، في بث مباشر باكيا: “كل تلك الوعود… والآن تقولون لا يوجد شيء؟”.

المصدر: الجزيرة مباشر + وسائل إعلام أمريكية

إعلان