مفاجآت تكشفها محكمة أمريكية.. منصة مجهولة زودت إدارة ترامب بأسماء معارضين لإسرائيل لترحيلهم

تُعقد في محكمة فيدرالية بمدينة بوسطن الأمريكية واحدة من أكثر القضايا حساسية المرتبطة بالهجرة وحرية التعبير في الجامعات الأمريكية. المحاكمة، التي تُعرف إعلاميا بقضية “الترحيل الأيديولوجي”، تنظر في اتهامات موجّهة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتبنّي سياسة ترحيل ممنهجة ضد طلاب وأساتذة أجانب بسبب آرائهم المؤيدة لفلسطين، أو المناهضة لإسرائيل.
من رفع الدعوى؟ وما مضمونها؟
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4إدارة ترامب تخطط لتوسيع قائمة الدول المحظور على مواطنيها دخول الولايات المتحدة
- list 2 of 4إدارة ترامب تصدر قرارا بخصوص تصاريح العمل للاجئين وطالبي اللجوء
- list 3 of 4بعد انتقاده لها.. إلهان عمر تشن هجوما حادا على ترامب وتتحداه
- list 4 of 4فنزويلا توافق على استئناف رحلات إعادة المهاجرين من الولايات المتحدة
رُفعت الدعوى القضائية من قبل الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات (AAUP) وجمعية دراسات الشرق الأوسط (MESA)، وهما من أبرز المنظمات الأكاديمية في البلاد، وتتهم الدعوى إدارة ترامب بانتهاك التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يكفل حرية التعبير، وذلك من خلال استهداف أكاديميين غير مواطنين بسبب مواقفهم السياسية.
كما تشير الشكوى إلى أن هذه السياسة أدّت إلى “أثر مُرعب” داخل الأوساط الجامعية، حيث أصبح العديد من الأكاديميين الأجانب يخشون التعبير عن آرائهم خوفا من فقدان تأشيراتهم أو ترحيلهم، وهو ما أثّر أيضا في طلاب وأساتذة أمريكيين حُرموا من سماع وجهات نظر متعددة.
شهادات المحققين الفدراليين تكشف تحوّلا في الأولويات
خلال جلسات المحاكمة، قدم عدد من عملاء “تحقيقات الأمن الداخلي” (HSI) شهادات لافتة كشفت عن تحوّل غير معتاد في طبيعة عملهم.
المحققون الفيدراليون، الذين توكل إليهم عادة قضايا المخدرات والجرائم المالية، طُلب منهم إعطاء الأولوية لاعتقال طالبة جامعية لا تملك أي سجل جنائي، وعدم إبلاغها بإلغاء تأشيرتها، حسبما شهد أحد عملاء تحقيقات الأمن الداخلي في تحول ملحوظ في سياسات الوكالة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب.
العميل باتريك كننغهام، سُئل أمام المحكمة عن اعتقال طالبة الدكتوراه في جامعة تافتس، روميسا أوزتورك، التي اقترب منها ضابط بملابس مدنية قرب منزلها في سومرفيل، ماساتشوستس، في مارس/آذار الماضي، ويُظهر تسجيل مصوَّر للواقعة الضابط وهو يمسك بمعصمي أوزتورك بينما يقترب منها ضباط آخرون من الطرف المقابل للشارع.
وبحسب شهادة كننغهام، وهو عميل رفيع المستوى في بوسطن، فقد أبلغت وزارة الخارجية قسم التحقيقات بأن تأشيرة أوزتورك قد أُلغيت، وأرسلت معلومات عنها إلى الوكالة، بما في ذلك مقال رأي مناهض لإسرائيل كتبته أوزتورك في صحيفة الجامعة.
وقال كننغهام: “لا أذكر أنني تلقيت مثل هذا الاتصال من وزارة الخارجية من قبل”، وأضاف أن قسم التحقيقات كان في السابق غير معني بمعظم قضايا الهجرة، بل كان يركز أساسا على جرائم المخدرات والمال وغيرهما.
وعندما تلقى إخطار وزارة الخارجية وطُلب منه اعتقال أوزتورك بعد إلغاء تأشيرتها بهدوء، توجه كننغهام إلى محامين في وزارة الأمن الداخلي للتأكد من قانونية الاعتقال، حسب شهادته.
وقال: “لم يكن لدي خبرة كبيرة في هذا النوع من القضايا، إن وجدت أصلا”.
كما أضاف كننغهام أن القيادات قررت عدم إبلاغ أوزتورك بإلغاء تأشيرتها، وقال: “تقرر أنها لن تُبلَّغ بإلغاء تأشيرتها… لم نخطط لإخطارها”.
وبعد أن قضت 6 أسابيع في الاحتجاز، أمر القاضي الفيدرالي ويليام سيشنز بإطلاق سراح أوزتورك في مايو/أيار مع استمرار النظر في قضيتها.
وقالت محامية أوزتورك، مهسا خانبابائي، إن “شهادة العميل أكدت ما كنا نعلمه مسبقا: أن روميسا وآخرين تم استهدافهم بسبب ممارستهم لحرية التعبير في انتقاد الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين”.
وأضافت: “الإلغاء الصامت للتأشيرات -عدم إبلاغ الشخص بإلغاء تأشيرته- هو تحريف لقوانين الهجرة الأمريكية من أجل استهداف من يمارسون حقوقهم الدستورية. الأمر لم يكن يوما عن تنفيذ قوانين الهجرة، بل كان دائما انتقاما وعقابا على خطاب محمي”.

شهادة حول قضية محمود خليل
وفيما يتعلق باعتقال طالب الدراسات العليا في جامعة كولومبيا محمود خليل، قال دارين ماكورماك، وهو عميل رفيع المستوى في قسم نيويورك لتحقيقات الأمن الداخلي، إنه تلقى ملفا استخباريا عن خليل.
وشهد ماكورماك أن تعليمات صدرت من مقر وزارة الأمن الداخلي في واشنطن بتحديد موقع خليل ومراقبته، وأُبلغ أن الإدارة مهتمة بقضيته، وقال: “في مرحلة ما، أُبلغت بأن وزير الخارجية أو البيت الأبيض كان لديهم اهتمام بمحمود خليل”.
وبعد أيام من صدور أوامر مراقبة خليل، تلقى ماكورماك مذكرة من وزارة الخارجية تشير إلى أن “وضعه، أي وضعه القانوني في الولايات المتحدة، قد تغير”، وكما في حالة أوزتورك، تأكد ماكورماك من المسؤولين من أن طلب الاعتقال كان قائما على أساس قانوني، وقال: “تاريخيا، وفي الآونة الأخيرة، لم نكن نُنفذ تلك القوانين… أردت أن أتأكد من وجود أساس قانوني للاعتقال”.

كيف ظهر موقع “مهمة كناري Canary Mission“ في مجريات القضية؟
وفقا لوثائق وشهادات أدلي بها خلال المحكمة وقرر القاض رفع السرية عنها تبين أن إدارة ترامب اعتمدت بشكل كبير على موقع إلكتروني مؤيد لإسرائيل يدار بشكل مجهول، ويُعرف باسم “Canary Mission”، الذي تعرض لانتقادات واسعة بسبب نشره معلومات شخصية.
القاضي الفيدرالي ويليام يونغ، الذي ينظر القضية حاليا في محكمة بوسطن، أمر بالكشف عن مئات الصفحات من إفادات المسؤولين التي تسلط الضوء على كيفية تنفيذ سياسة الترحيل الأيديولوجي.
موقع “مهمة كناري”، المعروف بنشره صورا ومعلومات عن طلاب وأكاديميين مؤيدين لفلسطين، يدّعي أنه يفضح “الخطاب المعادي لإسرائيل واليهود في الجامعات”، ويرى كثيرون أنه يمارس الترهيب والتشهير، ويستخدم “التحذير” كغطاء لقمع حرية التعبير، خاصة ضد النشطاء المؤيدين لفلسطين.
سبق أن اشتبه محامو الهجرة ونشطاء مؤيدون لفلسطين بأن سلطات الهجرة كانت تنتزع أسماء الأكاديميين من موقع “Canary Mission”، وتسعى لإلغاء تأشيراتهم دون الكثير من البحث المستقل، لكن الإفادات تكشف لأول مرة مدى اعتماد مسؤولي ترامب على هذا الموقع.
ووفقا للسجلات، شكّلت وزارة الأمن الداخلي فريقا خاصا من المحللين الاستخباراتيين يُعرف بـ”فريق النمر” (Tiger Team)، قام بإعداد ملفات عن نحو 100 طالب وباحث أجنبي ممن شاركوا في أنشطة مؤيدة لفلسطين. أكثر من 75 من هذه الأسماء جاءت من موقع “Canary Mission”، بحسب شهادة بيتر هاتش، أحد مسؤولي الأمن الداخلي، في إفادة أدلي بها أمام المحكمة وتم الكشف عنها هذا الأسبوع.
أكد هاتش الدور المحوري الذي لعبه موقع “Canary Mission” في العمل الاستخباري المرتبط بالترحيل داخل الوكالة.
قال هاتش، وهو مساعد مدير الاستخبارات في تحقيقات الأمن الداخلي: “العديد من الأسماء، بل ربما معظمها، جاءت من هذا الموقع، لكننا كنا نتلقى أسماء ومؤشرات من مواقع كثيرة”، وأضاف: “تلقينا معلومات عن المتظاهرين أنفسهم من مصادر متعددة، لكن Canary Mission كان الأكثر شمولا. كانت القوائم تأتينا من جميع الاتجاهات”.
وأضاف أنه أُبلغ شفهيا بضرورة أن يراجع فريقه موقع “Canary Mission”، الذي يُقال إنه يحتوي على ملفات عن أكثر من 5 آلاف شخص، وقال: “وهذا ما يوضح لماذا كنا بحاجة إلى فريق نمر. وحدة أو قسم عادي لا يمكنه التعامل مع هذا الكم من العمل”.
قال هاتش إن محللين من وحدة “مكافحة الإرهاب الاستخباراتية” تم نقلهم إلى فريق النمر.
كما أصر على أن أي معلومات جمعها المحللون من موقع “Canary Mission” كان لا بد من التحقق منها قبل تضمينها في تقارير رسمية.
وقال: “Canary Mission ليس جزءا من الحكومة الأمريكية. ليست معلومات نأخذها كمصدر موثوق به. نحن لا نعمل مع الأشخاص الذين أنشأوا الموقع. لا أعرف من أنشأ الموقع”.
وفي إفادته، قال هاتش إن “أكثر من 75%” من الأسماء التي أعدّ فريقه تقارير عنها جاءت من “Canary Mission”، ويعتقد أن البقية جاءت من منظمة “Betar US”، وهي مجموعة تستخدم شعار “اليهود يقاومون”، وتقوم بتوثيق نشاطات النشطاء المؤيدين لفلسطين على موقعها.
في فبراير/شباط، أدرجت رابطة مكافحة التشهير “Betar” ضمن قائمة الجماعات المتطرفة، متهمة المنظمة بأنها “تتبنى علنا الإسلاموفوبيا وتضايق المسلمين على الإنترنت وفي الحياة الواقعية”.

دور البيت الأبيض
الكشف الجديد أظهر أيضا دورا مباشرا لكبار المسؤولين في البيت الأبيض، وخاصة مستشار ترامب البارز ستيفن ميلر، الذي شارك في مكالمات أسبوعية تضمنت مسؤولين من وزارة الخارجية والأمن الداخلي لمتابعة جهود ترحيل الطلاب، وقال جون أرمسترونغ، القائم بأعمال مدير مكتب الشؤون القنصلية بوزارة الخارجية الأمريكية، إنه أجرى ما لا يقل عن 12 محادثة مع مسؤولي البيت الأبيض بشأن هذه السياسة.
وبحسب أرمسترونغ، استغرقت تلك المكالمات مع ميلر من 15 دقيقة إلى ساعة، وشارك فيها مسؤولون آخرون من مجلس الأمن الداخلي ووزارة الخارجية ووزارة الأمن الداخلي.
لكن أرمسترونغ قال إن إلغاء تأشيرات الطلاب الأجانب يتعلق بدعم الإرهاب أو المشاركة في أنشطة معادية للسامية، وعندما سُئل عمّا إذا كانت الآراء السياسية تؤدي أحيانا إلى إلغاء التأشيرة، أجاب: “إذا كنتَ تدعم منظمة إرهابية، نعم. يمكنك أن تفقد تأشيرتك”.
وفي شهادته، أشار أرمسترونغ إلى 3 حالات بارزة:
محمود خليل: أُلغي تصريح إقامته بسبب تنظيمه لاحتجاجات طلابية اعتُبرت معادية للسامية، و”خلقت بيئة عدائية للطلاب اليهود”.
محسن مهدواي: خريج آخر من جامعة كولومبيا، اتُهم بقيادة احتجاجات تضمنّت دعوات لتدمير إسرائيل، وقيل إن نشاطه “قوّض عملية السلام في الشرق الأوسط”.
روميسا أوزتورك: طالبة دكتوراه في جامعة تافتس، أُلغيت تأشيرتها بهدوء بسبب دعمها المزعوم لحركة (حماس) أو (حزب الله)، و”خلقها لبيئة عدائية تجاه الطلاب اليهود”، حسب قول أرمسترونغ.
وأشار إلى أن بعض حالات الإلغاء تمّت عبر ما يسمى بـ”الإلغاء الصامت”، أي دون إبلاغ الشخص المعني، من أجل تسهيل توقيفه.
رغم أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قال في مارس/آذار الماضي إن عدد التأشيرات التي أُلغيت قد يتجاوز 300، أكد مسؤولون أن العدد الحقيقي للتأشيرات المُلغاة المرتبطة بهذه السياسة أقل من ذلك، وحتى الآن، تمكنت المحاكم من وقف ترحيل عدد من المستهدفين، من بينهم محمود خليل وروميسا أوزتورك.

القضاء يتدخل: حماية التعديل الأول والدستور
القاضي الفدرالي ويليام يونغ، المعيّن من الرئيس الراحل رونالد ريغان، الذي ينظر القضية اتخذ موقفا واضحا من قضية حرية التعبير.
قال يونغ: “أنا أسأل: هل للمقيمين قانونيا في الولايات المتحدة نفس حقوق المواطنين بموجب التعديل الأول؟ على الأرجح نعم. الجواب بالإيجاب. نحن نتحدث عن خطاب خالص”.
وفي تعليق لافت، قال القاضي: “معاداة السامية ليست غير قانونية. قد تكون بغيضة، لكنها ليست جريمة. إنها محمية بموجب التعديل الأول”.
كما رفض القاضي طلب وزارة العدل بإخلاء قاعة المحكمة أثناء مناقشة بعض الأدلة الحساسة، مؤكدا: “أنا لست ميّالا لإخلاء القاعة. هناك حق دستوري في علنية المحاكمة. الطلب مرفوض”.
الوثائق السرية: معركة جديدة داخل المحاكمة
قدّمت وزارة العدل إلى القاضي يونغ وثائق حساسة تتضمن معلومات استخباراتية عن التحقيق مع بعض الأكاديميين المستهدفين، وقالت الحكومة إن هذه الوثائق محمية قانونيا لأنها تتعلق بمداولات داخلية حساسة.
لكن القاضي رأى أن الحكومة تخلّت عن حصانتها حين سلّمت الوثائق له للاطلاع، ما أثار مواجهة قانونية جديدة، وقدمت وزارة العدل استئنافا عاجلا، فيما أصدرت محكمة الاستئناف بالدائرة الأولى أمرا مؤقتا يمنع القاضي من تسليم الوثائق لفريق الادعاء إلى حين الفصل في مسألة الحصانة.
المحاكمة مستمرة… والقرار قد يُشكل سابقة تاريخية
من المقرر أن تستمر المحاكمة حتى نهاية يوليو/تموز، ويتابعها باهتمام كبير أكاديميون ومنظمات حقوقية داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ يرى كثيرون أن الحكم النهائي قد يشكل سابقة قانونية حاسمة تحدد حدود حرية التعبير للأكاديميين غير المواطنين، في سياق سياسي معقّد يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومكانة الأصوات المعارضة داخل الجامعات الأمريكية.
