من غسان كنفاني إلى أنس الشريف.. سجل إسرائيل الأسود في قتل الصحفيين بذريعة “الإرهاب”

في خرق صارخ للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية الصحفيين، لا سيما في مناطق النزاع، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي استهداف الصحفيين الفلسطينيين بشكل مباشر، في حملة ممنهجة تصاعدت وتيرتها منذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
أرقام صادمة
وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استشهد ما لا يقل عن 238 صحفيا وأصيب أكثر من 400 آخرين منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، معظمهم جراء قصف متعمد لمنازلهم أو أماكن عملهم، وهو الرقم الأعلى في حرب واحدة منذ بدء تسجيل الإحصاءات الحديثة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4حين تصبح الخيمة مقبرة باردة.. كبار السن في مواجهة شتاء غزة (فيديو)
- list 2 of 4طبيب مغربي عائد من غزة: ما رأيته في الشمال يفوق الوصف (فيديو)
- list 3 of 4“بلد زوجي وبناتي وأحفادي”.. ابنة صعيد مصر تتمسك بالبقاء في غزة لآخر لحظة (فيديو)
- list 4 of 4منزل يهتز تحت المطر.. غزة تواجه “الخيار المستحيل” بين أنقاض البيت وبرد الخيام (فيديو)
وليس استهداف الصحفيين الفلسطينيين وليد الحرب الجارية، فمنذ عام 2000 وحتى اندلاع حرب غزة الأخيرة، وثقت منظمات أبرزها “لجنة حماية الصحفيين” و”مراسلون بلا حدود” استشهاد ما لا يقل عن 50 صحفيا فلسطينيا برصاص جيش الاحتلال، معظمهم أثناء تغطية الانتفاضة الثانية (2000–2005) والحروب السابقة على غزة.
استهداف مباشر
وأحدث جرائم الاحتلال بحق الصحفيين وقعت عند استهداف خيمة تضم مراسلَي قناة الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، إلى جانب 4 صحفيين آخرين، بقصف مباشر قرب مستشفى الشفاء في غزة، مساء الأحد الماضي.
وسبق ذلك، اغتيال الصحفي الزميل حسام شبات، مراسل قناة الجزيرة مباشر، في 24 مارس/آذار الماضي، بقصف إسرائيلي استهدف سيارته في جباليا شمالي قطاع غزة.

وسبق ذلك اغتيال مراسل الجزيرة إسماعيل الغول في 31 يوليو/تموز 2024 والمصور رامي الريفي، جراء قصف استهدف سيارة كانوا يستقلونها في مدينة غزة أثناء تغطية ميدانية.

وفي 15 ديسمبر/كانون الأول 2023، استشهد مصور الجزيرة سامر أبو دقة بعد إصابته مع مدير مكتب الجزيرة في غزة وائل الدحدوح خلال تغطيتهما قصفا إسرائيليا لمدرسة فرحانة جنوبي القطاع، وظل سامر ملقى على الأرض ينزف ومحاصرا 6 ساعات، من دون أن تتمكن سيارة الإسعاف من الوصول إليه حتى فارق الحياة.

كما لا تزال جريمة اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة حاضرة في الذاكرة، إذ قُتلت برصاص قناص إسرائيلي في جنين عام 2022، رغم ارتدائها سترة وخوذة الصحافة.
ومن النماذج الأقدم، الكاتب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتيل في 8 يوليو/تموز 1972 في العاصمة اللبنانية بيروت، عبر تفجير سيارته بعبوة ناسفة زرعها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد).

وجاء اغتياله بسبب دوره البارز في الدفاع عن القضية الفلسطينية وكشف جرائم الاحتلال عبر كتاباته الصحفية وأدبه المقاوم.
وكذلك الكاتب والصحفي ماجد أبو شرار، الذي اغتيل في روما عام 1981 خلال مشاركته في مؤتمر إعلامي، وذلك بتفجير غرفته بأيدي عملاء الموساد.
وكذلك رسام الكاريكاتير الفلسطيني البارز ناجي العلي، الذي اغتيل في لندن عام 1987 برصاص مجهول، بسبب رسوماته ومواقفه المناهضة للاحتلال الإسرائيلي.

ذريعة “الإرهاب” لتبرير الجرائم
ودأبت إسرائيل على اتهام الصحفيين الفلسطينيين الذين تقتلهم بالانتماء إلى حركات مقاومة أو استخدام معداتهم الإعلامية لأغراض عسكرية، لتبرير عمليات الاغتيال.
فبعد اغتيال شيرين أبو عاقلة، ألمح جيش الاحتلال إلى أن “وجودها في موقع اشتباك” كان سببًا لمقتلها، لكن تحقيقا مشتركا بين مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان ووكالة “فورنزك أركتكتشر” توصل إلى نتائج لافتة تؤكد أن الرصاص الذي قُتلت به شيرين أُطلق من سيارة عسكرية إسرائيلية مصفّحة كانت ضمن 5 سيارات أخرى تقف على مسافة 200 متر من المكان الذي كانت فيه الصحفية الراحلة.

وفي غزة، زعم جيش الاحتلال أن مراسل الجزيرة أنس الشريف كان ينتمي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وزعم أنه كان “مسؤولا عن إطلاق صواريخ على المدنيين الإسرائيليين وقوات الجيش”.
كما فعل الاحتلال نفس الأمر مع مراسل الجزيرة وائل الدحدوح، الذي اتهمه الاحتلال بالانتماء لحركة حماس، واستهدفت غارات إسرائيلية عائلته وقتلت زوجته وابنه محمود وابنته شام وحفيده آدم ثم نجله حمزة وآخرين من أقاربه، فضًلا عن محاولات اغتياله أكثر من مرة، مما أدى إلى إصابته وسفره للعلاج خارج غزة.

الإفلات من العقاب
ورغم توثيق المنظمات الدولية المستقلة لهذه الانتهاكات، لم يُفتح أي تحقيق دولي ملزم أو محاكمة بحق المسؤولين الإسرائيليين. وتعتبر منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن الفشل الدولي في محاسبة سلطات الاحتلال يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الجرائم بحق الصحفيين.
بدورها، اتهمت منظمة العفو الدولية، الجيش الإسرائيلي بأنه أعدم مزيدًا من الصحفيين في غزة واعترف باستهدافهم، دون محاسبة.
كما دعت منظمة “مراسلون بلا حدود” العالم إلى اتخاذ إجراءات حازمة لوقف ما سمته عمليات الإعدام الإسرائيلية للصحفيين، منددة باستراتيجية التعتيم التي ينتهجها الاحتلال الهادفة إلى طمس جرائمه في غزة منذ أكثر من 22 شهرا.