صبرا وشاتيلا.. مقبرة جماعية خلال 3 أيام من الرعب والإبادة

أطقم الدفاع المدني يحملون ضحية من ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا (AP)

تحل هذه الأيام الذكرى الـ43 على مجزرة صبرا وشاتيلا، وهي واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت في القرن الـ20 والتي وقعت في سبتمبر/أيلول عام 1982، بحق مئات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

مكان وزمان المجزرة

استمرت المجزرة لمدة 3 أيام من 16 إلى 18 سبتمبر/أيلول عام 1982، في مخيم شاتيلا جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، والذي أسسته وكالة الأونروا عام 1949 لإيواء لاجئين فلسطينيين نزحوا بعد نكبة 1948، وشملت حي صبرا المجاور الذي كان يسكنه نسبة كبيرة من الفلسطينيين.

وبعدما كان المخيم رمزًا للمنفى المكتظ بالأسر الفلسطينية التي حلمت بالعودة، تحول إلى مكان شاهد على أفظع المجازر الدموية.

مرتكبو الجريمة

تورطت في هذه المجزرة القوات اللبنانية (الجناح العسكري لحزب الكتائب) بقيادة إيلي حبيقة، وقوات من جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، بالإضافة إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي أشرف على المجزرة من خلال حصار المخيم وإضاءة سمائه بالقنابل المضيئة لتمكين القتلة من تنفيذ جريمتهم تحت إشراف أرييل شارون وزير الدفاع آنذاك.

وزير الحرب الإسرائيلي وقت مجزرة صبرا وشاتيلا آريل شارون (AP)

مقدمات المذبحة

استغلت إسرائيل محاولة اغتيال سفيرها في لندن شلومو آرغوف، وشنت اجتياحًا واسعًا للبنان في يونيو/حزيران 1982، وحاصرت بيروت الغربية لشهرين وقطعت عنها الماء والكهرباء.

جاءت المذبحة بعد أيام قليلة من اغتيال بشير الجميل، قائد حزب الكتائب والرئيس اللبناني المنتخب، الذي شكل اغتياله الذريعة التي استغلتها إسرائيل وحلفاؤها لتصفية حساباتهم مع المخيمات الفلسطينية.

وبعد اغتيال بشير الجميل، في 14 سبتمبر/أيلول 1982، دخلت مليشيات الكتائب والقوات اللبنانية بدعم وحصار إسرائيلي مباشر، إلى مخيمي صبرا وشاتيلا بحجة البحث عن مقاتلين فلسطينيين، فارتكبت المجزرة على مرأى من جيش الاحتلال، في خرق واضح لاتفاق فيليب حبيب (المبعوث الخاص لرونالد ريغان، الرئيس الأمريكي آنذاك، إلى الشرق الأوسط).

وكان هذا أول اتفاق رسمي بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وقعه الطرفان في 24 يوليو/تموز 1981، ونص على وقف إطلاق النار بين الطرفين، وانسحاب مقاتلي منظمة التحرير، مقابل التعهد بحماية المخيمات واللاجئين في لبنان، وعدم دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت مع نشر قوات متعددة الجنسيات لضمان ذلك.

شهادات صادمة

ووفق شهود عيان وناجين من المذبحة، فإن أغلب الجرحى كانوا من النساء وكبار السن، والذين قضوا نحبهم بإطلاق النار عليهم من أسلحة رشاشة، وكانت الإصابات في الفك، والرأس، والذراع، والساق. كما تحدثوا عن نساء حوامل بُقرت بطونهن، وأطفال قُطعت أطرافهم، وجثث متناثرة في الأزقة وداخل المنازل. فيما دُفن كثير من الضحايا في مقابر جماعية لم يُعرف مكان بعضها حتى اليوم.

بدورها، صنفت منظمات دولية، منها منظمة “هيومن رايتس ووتش” مجزرة صبرا وشاتيلا ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ضحايا بلا عدد

تراوح عدد الضحايا بين 700 و5 آلاف، وفق تقديرات مختلفة. إذ وثقت الباحثة الفلسطينية بيان نويهض الحوت ما لا يقل عن 1300 شهيد بالاسم.

فيما ذكرت مصادر أخرى منها “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” أن عدد الشهداء وصل إلى أكثر من 3 آلاف.

لكن حجم الدمار والاختفاء القسري جعل من الصعوبة حسم الرقم النهائي، إذ لا يزال مصير مئات المفقودين مجهولًا.

سيدتان تجلسان على أنقاض مجزرتي صبرا وشاتيلا (AP)

عدالة غائبة

وحتى يومنا هذا لم يقدم أي من الجناة للعدالة، واكتفت لجنة “كاهان” التي شكلتها إسرائيل للتحقيق في دورها في المذبحة عام 1982 بتحميل إيلي حبيقة المسؤولية المباشرة، واتهمت شارون ومسؤولين آخرين بالتقصير غير المباشر، ما دفعه للاستقالة من وزارة الدفاع دون أن يُحاكم.

أما المجتمع الدولي فاكتفى بتقارير مثل تقرير “لجنة ماكبرايد” الذي أكد مسؤولية إسرائيل القانونية، بينما فشلت محاولات ناجين لملاحقة شارون أمام القضاء البلجيكي عام 2001 بسبب ضغوط سياسية.

جرح مفتوح

وبعد أكثر من 4 عقود، ما زالت مذبحة صبرا وشاتيلا عنوانًا للجروح المفتوحة في الذاكرة الفلسطينية والعربية، ولم تندثر صور الجثث المتناثرة، ودموع الأمهات، وصرخات الأطفال.

وبقيت المجزرة شاهدة على مأساة بشعة، وصمت مخزٍ من المجتمع الدولي الذي ما زال لا يستطيع محاسبة مرتكبي الجريمة ولا حتى إيقاف مجازرهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان