نساء القدس .. جزء من الحكاية

ما بين العشرين وربما أقل إلى السبعين وربما أكثر .. تراوحت أعمارهن ، التحفن السماء تحت أقواس الأقصى وفي الساحات المظللة لقبة الصخرة الذهبية .. هؤلاء النسوة حملن على أكتافهن أحمالا نأت من حملها أكتاف الرجال .. إنهن بتن يراقبن عن كثب مجموعات الإسرائيليين المتطرفين الذين يداهمون ساحات الأقصى من حين لآخر، ويحاولون في المناسبات إقامة شعائرهم داخل الأقصى, نسوة سلاحهن هتاف بعلو .. “الله أكبر” ” الله أكبر” ، لتذكير المقتحمين بأن المسجد ما يزال بيت لله يذكر فيه اسمه.
كثيرات من المرابطات يقطن في البلدة القديمة .. وكثيرات أيضا يأتين من بلدات بعيدة .. من الناصرة .. من عكا .. من حيفا .. من أم الفحم .. إلا أنهن يتقاسمن النداء الرباني ” الله أكبر” عندما يعتدي على الأقصى المتطرفون ، أو تداهمه سنابك الجنود ، ورسالتهن الخالدة التي ورثنها عن الآباء والأجداد مفادها “لن نبرح هذا المكان أبداً، فهذا المكان لنا .. ولن نغادر”.
بينما تجمّع بعض الجنود يستظلون بشجرة في الجوار، تقف المرابطات يرمقن بأعينهن من مكان يطل على حديقة المسجد الجدر الزرقاء لقبة الصخرة، غير مباليات أن تدمر بيوتهن ، أو أن تصادر أموالهن ، فالأقصى في قلوبهن وعقولهن خط أحمر. إذا ما استولى الصهاينة عليه فإن شيئا في القدس لن يكون على ما يرام ، وهو ما أكده إقدام فتاة فلسطينية على طعن يهودي في البلدة القديمة قبل أن يتمكن الرجل من إطلاق النار عليها ويصيبها قبل يومين.
منع الرجال والشباب من الصلاة في ساحات القبلة الأولى .. فباتوا ركعا سجدا في الطرقات والدروب المؤدية للمسجد الأقصى يشهد ركوعهم وسجودهم على الإصرار والتمسك بحماية الأقصى رغم القوة الغاشمة لجنود الاحتلال ، فإنهم يداومون على أداء الصلاة ولو في الشارع معتبرين ذلك في نفس الوقت تعبيراً عن الاحتجاج على منعهم .
إلا أن ذلك جزء من الحكاية وليس الحكاية كاملة… فالنساء اللواتي يأتين إلى المسجد كل يوم يتعرضن أيضاً للاعتقال والضرب والمنع من الدخول. ومع ذلك، فكلهن إصرار على الاستمرار في العودة مراراً وتكراراً وكلهن على استعداد لدفع ثمن البقاء إلى جوار المسجد... ولا يقف دورهن عند ذلك .. ففي أوقات الهدوء ينحين الأحجار من أيديهن جانبا ، و يتحولن إلى عاملات تنظيف وترتيب لباحات الأقصى من الدنس الصهيوني .. لينتهي مشهد .. على صوت تمتمة لترتيل سورة من القرآن الكريم بداياتها …” بسم الله الرحمن الرحيم” وما أن تنتهي .. يبدأ مشهد جديد …