خلاف بين القوى السياسية في مصر حول الاصطفاف الثوري

إعلان بيان القاهرة ـ أرشيف

احتدمت مؤخرا بين القوى الثورية المصرية معركة ما يسمى بالاصطفاف الثوري -أي توحيد القوى الثورية تحت مطالب محددة ـ وانقسمت القوى الرافضة للانقلاب إلى معسكرين، حيث تحمس البعض للفكرة بينما عارضها آخرون، وتشكك فريق ثالث في إمكانية حدوثها في ظل حالة فقدان الثقة الكبيرة بين تلك القوى خاصة بين الإسلاميين من ناحية والليبراليين واليساريين من ناحية أخرى.

يستند دعاة الاصطفاف في موقفهم إلى أن الثورة المصرية في 25 يناير/كانون الثاني 2011 لم تنجح بالأساس إلا من خلال وحدة القوى الوطنية من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار تحت مطالب محددة مع إخفاء كل فريق لهويته ولمطالبه الخاصة خلال أيام الثورة الثماني عشرة. كما يستندون في دعوتهم الحالية تحديدا للاصطفاف إلى عدم قدرة أي فصيل على تحقيق نصر بمفرده، ومن ثم الحاجة إلى التوحد لتحقيق تلك الأهداف، ويرى هذا الفريق أن عمليات القمع الواسعة التي يمارسها النظام ضد خصومه جميعا والتي لم يفرق فيها بين إسلاميين ويساريين وليبراليين تدفع الجميع للوقوف صفا واحدا ضد هذه الممارسات، كما يشعر هذا الفريق بالمسؤولية عن إنقاذ مصر مما أوصلتها إليه سلطة الانقلاب الحالية من تدهور اقتصادي ومعيشي وسياسي، وأن عملية الإنقاذ هذه تحتاج تضافر جهود كل القوى الثورية.

أما رافضو الاصطفاف الثوري فيعتقدون أنه ضار بالثورة في مرحلتها الحالية، لأن القوى التي شاركت في 30 من يونيو/حزيران، ودعمت انقلاب الثالث من يوليو/تموز أجرمت في حق الوطن وفي حق الثورة حسبما يعتقدون، وبالتالي لم يعد لها مكان في صف الثورة التي أضاعوها بسبب ما اعتبروه انحيازهم للعسكر ودعوتهم للجيش للانقلاب على أول تجربة ديمقراطية في مصر، بل إن فريقا من الرافضين للاصطفاف يرى ضرورة محاكمة كل من دعم الانقلاب باعتباره شريكا فيما يسموه “الجريمة”، ويرون ضرورة تنظيف الصف الثوري قبل أي حديث عن الاصطفاف، كما يصر هذا الفريق على التمسك بما يوصف بالشرعيات الثلاث “الدستور والبرلمان والرئيس مرسي” كشرط للاصطفاف مع الغير.

التأييد والرفض للاصطفاف ليس حكرا على صف رافضي الانقلاب من القوى الإسلامية فقط بل إنه قائم أيضا على الطرف الآخر بين القوى الليبرالية واليسارية، ولكن يغلب على الداعين للاصطفاف من هذه القوى رفض الدخول في شراكة مع جماعة الإخوان المسلمين، حتى وإن فتحوا الباب للاصطفاف مع غيرها، أو حتى مع شباب الجماعة، وهذا ما ظهر جليا في وثيقة المراجعة التي أصدرتها مؤخرا حركة الاشتراكيين الثوريين.

على رأس دعاة الاصطفاف في معسكر رافضي الانقلاب تقف مجموعة من القوى والقيادات والرموز الثورية والإسلامية، وقاد تحركات الاصطفاف كل من “د.أيمن نور” زعيم حزب غد الثورة، و”د.طارق الزمر” رئيس حزب البناء والتنمية و”د.محمد محسوب” نائب رئيس حزب الوسط، و”حاتم عزام” القيادي بالحزب، وكل من الوزيرين السابقين “عمرو دراج” و”يحيي حامد “ممثلين للإخوان المسلمين.
وقد تشارك هؤلاء ومعهم “د.سيف الدين عبد الفتاح” أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والدكتورة مها عزام رئيس المجلس الثوري و”د.ثروت نافع” عضو مجلس الشورى السابق، والشاعر “عبد الرحمن يوسف” ونجت جهود هذا الفريق في الوصول إلى ما عرف بوثيقة بروكسل والتي تم إعلانها في بروكسل يوم 7 من مايو/آيار 2014 .

وحملت الوثيقة اسم (وثيقة استرداد الثورة المصرية)، وتضمنت 10 مبادئ حول عودة الجيش لثكناته وإدارة التعددية التشاركية للتخلص من آثار الانقلاب، والعدالة الانتقالية، وتمكين الشباب والمرأة، والحقوق والحريات العامة، وتلى وثيقة بروكسل التوقيع على إعلان القاهرة الذي حمل المبادئ ذاتها تقريبا وأعلنه في مؤتمر صحفي السفير السابق الدكتور إبراهيم يسري والدكتور سيف الدين عبد الفتاح والشاعر عبد الرحمن يوسف.

وقد فشلت الوثيقتان في استقطاب توقيعات من قوى ليبرالية أو يسارية ذات وزن نسبي، وتعللت بعض القوى بأنها لا تزال تعمل داخل مصر وهو ما يقيد حركتها ويغل يدها عن التوقيع على وثيقة بيان القاهرة رغم قناعتها بما تضمنه من مبادئ.

ومن هنا جاءت  محاولة جديدة للوصول إلى وثيقة تجمع القوى الثورية المختلفة على أسس وقواعد مشتركة ومقبولة من الجميع، وجرت نقاشات بين عدة أطراف إسلامية وغير إسلامية على مدى الشهور الماضية حول مجموعة أفكار أولية كمسودة لوثيقة جامعة؛ لكن تسريب تلك الوثيقة لبعض الأطراف الرافضة للاصطفاف أحرقها مبكرا حيث تم تقديمها من قبلهم للرأي العام الثوري باعتبارها وثيقة التنازل عن شرعية الرئيس المعزول محمد مرسي كثمن لتسوية سياسية تتجنب القصاص للشهداء الخ.

وقد بدأت المعركة تشتعل بعد تسريب الوثيقة وراح كل طرف يدافع عن وجهة نظره، وهنا ظهر على رأس الفريق الرافض لهذه الوثيقة عدد من قيادات المجلس الثوري المصري على رأسهم رئيس المجلس د مها عزام ونائب الرئيس المستشار” وليد شرابي” والأمين العام “محمد كامل” وأصدرت “د.مها عزام” بيانا ضمنته 8 مبادئ لقبول الاصطفاف مع أي طرف على رأسها القبول بعودة الرئيس المعزول مرسي لإكمال مدة حكمه وعودة البرلمان المنتخب ودستور 2012، كما عبر شرابي عن موقفه في العديد من المقابلات التلفزيونية والتدوينات على شبكات التواصل، وكتب الأمين العام مقالا في صورة بيان يحدد فيه أسباب رفض المجلس للوثيقة الجديدة التي وصفها الإعلام بوثيقة العشرة، ومن هذه الأسباب تجاهلها لشرعية الرئيس المعزول مرسي والبرلمان والدستور، وتجاهلها لوصف الانقلاب، وتضمنها الحديث عن التشاركية بديلا للانتخابات في المرحلة الانتقالية التالية لسقوط الانقلاب.
وإلى جانب المجلس الثوري وقفت العديد من الأصوات الإسلامية الإعلامية رافضة لما وصف بوثيقة العشرة، مستندة إلى ما لم تتضمنه الوثيقة من عدم النص على عودة الرئيس المنتخب والبرلمان ودستور 2012، وأصبحت قضية عودة الرئيس بشكل خاص المطلب الرئيس  لهذه الأصوات، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد اتهام دعاة الاصطفاف أو أصحاب تلك الوثيقة بالخيانة والعمالة للمخابرات الأمريكية، ومحاولة بيع الثورة مقابل تسوية سياسية مهينة لا تليق بالدماء التي سالت في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وهو ما رد عليه الشاعر “عبد الرحمن يوسف” بأنه ليس منهجا وطنيا، وليس خلقا إسلاميا، وأنه يصب في نهاية الأمر في صالح عدو الجميع، وفي صالح استمرار النظام المستبد العميل، على حد قوله.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان