هل يستلهم الإسلاميون العرب تجربة نظرائهم الأتراك؟


لم يكن الفوز الكبير لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية وليد سياسات لحظية أو برامج دعائية وقتية، لكنه جاء ثمرة لجهود جاوزت الأربعين عاما هي رصيد الحركة الإسلامية في تركيا من العمل السياسي والاجتماعي والدعوي والثقافي في المجتمع التركي حيث بدأت الحركة الإسلامية انطلاقتها مطلع السبعينيات من القرن المنصرم عبر حزب النظام الوطني بقيادة نجم الدين أربكان.
ظلت الحركة في صعود سياسي على مدار العقود الماضية متغلبة على العديد من التحديات والعقبات الكبيرة التي اعترضت طريقها وحاولت عرقلة مسيرتها نحو قيادة البلاد، وقدمت الحركة الإسلامية التركية في ذلك تجربة ملهمة لغيرها من الحركات السياسية الإسلامية في الدول العربية، خاصة تلك التي تواجه ظروفا مشابهة في التعامل مع الانقلابات العسكرية، وقد ظلت العديد من الحركات الاسلامية العربية تنظر بريبة إلى تجربة العدالة والتنمية التركي وصلت إلى حد وصفه بأنه صنيعة الغرب أوأنه حزب علماني، لكن المواجهات التي تعرضت لها تلك الأحزاب تدفعها الآن لإعادة النظر في تقييماتها السابقة لعلها تستفيد من تلك التجربة.
كانت أبرز التحديات التي واجهت الحركة هي قوة وتجذر الفكرة العلمانية والتيار الذي يعبر عنها، والذي وضع أسسه مصطفى كمال أتاتورك عقب إسقاطه للخلافة العثمانية في العام 1924، وإلى جانب ذلك كانت هناك تحديات الفساد والاستبداد، والأزمات الاقتصادية، إضافة الى الرفض الدولي التقليدي للحركات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة. صمود الحركة الإسلامية في نسختها الأولى التي مثلها أربكان ورجاله، والنسخة الثانية (الحالية) التي يمثلها أردوغان وعبد الله غول وأحمد داوود أوغلو في مواجهة تلك التحديات والتغلب عليها، عزز ثقة المجتمع بها، ودفعه للتمسك بقيادتها للبلاد لمدة 17 عاما بشكل منفرد منذ 2002 وحتى 2019 حين تنتهي الدورة البرلمانية الحالية، وكان للنجاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي حققتها حكومات حزب العدالة والتنمية على مدار الفترات الماضية لحكمه هي العامل الأساسي في اقناع الناخبين بالتمسك به، ومحافظتها على كتلة صلبة لم تستطع أية استطلاعات للراي أن تهبط عنها في تقديراتها الأولية لنسب فوز الأحزاب التركية قبيل الانتخابات والتي لم تقل عن 43%.بينما قاربت نسبة الفوز الفعلية الخمسين بالمائة من الأصوات وحوالي 57 بالمائة من المقاعد، وهو ما يمكن حزب العدالة والتنمية من المضي قدما في برامجه للإصلاح السياسي والاقتصادي، وتعزيز دور تركيا الدولي خاصة فيما يخص دول الربيع العربي.
كانت البدايات الأولى لرفض فرض العلمنة على المجتمع التركي بجهود مؤسس الحركة النورسية( بديع الزمان النورسي)( 1877-1960) وبسبب مواجهته للسلطة العلمانية تم نفيه 1926 إلى جنوبي الأناضول، وظل يكتب رسائل النور حتى العام 1950(130 رسالة)، وقد كرس النورسي حياته بعد تحوله الحاسم إلى “سعيد الجديد” للقيام بمشروعٍ سماه “إنقاذ الإيمان وخدمة القرآن” يقوم المشروع على تحويل إيمان الناس من مجرد إيمان تقليدي موروث إلى إيمان حقيقي مشهود. كما يقوم مشروعه في شقه الآخر على تبيان “حقائق” القرآن للناس وأبرزها التوحيد والنبوة والحشر، ونجحت هذه الجهود في الحفاظ على تماسك وبقاء الهوية الإسلامية لتركيا في مواجهة محاولات العلمنة والتغريب.
إلا أن البداية الفعلية للعمل السياسي الإسلامي كانت في العام 1972 حين اسس النائب البرلماني المستقل نجم الدين أربكان في 26 يناير 1971أول حزب ذا نزعة محافظة وهو حزب النظام الوطني الذي لم يستمر سوى 16 شهرا قبل حله، ليخلفه في 11-10-1972 حزب السلامة الوطني الذي وضع من أولوياته كشف آفات العلمانية التركية المتشددة، وقد دخل الحزب في ائتلاف حكومي مع حزب الشعب عقب انتخابات أكتوبر 1973 شغل فيه أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، كما نال الحزب سبع وزارات، وسقطت هذه الحكومة بعد تسعة أشهر، وانضم حزب السلامة إلى حزب الحركة القومية وحزب العدالة لتشكيل الائتلاف الوزاري الجديد في 1/8/1977، وفي 5/12/1978طالب المدعي العام التركي بفصل أربكان عن حزبه بدعوى أنه يستغل الدين في السياسة وهو أمر مخالف لمبادئ أتاتورك العلمانية وفي 12/9/1980 قاد الجنرال (كنعان ايفرين) انقلاباً تسلم الجيش بموجبه زمام الأمور في البلاد واعتقل أربكان مع 33 من قادة حزبه وحدد يوم 24/4/1981موعداً لمحاكمته في محكمة عسكرية، وفي عام 1985خرج أربكان من السجن ووضع تحت الإقامة الجبرية التي استمرت حتى أواخر العام نفسه ثم ذهب إلى مكة معتمراً مع بداية عام 1986، وقد عاود نشاطه من جديد من خلال حزبه الجديد المسمى بحزب الرفاه.
ورغم أن أداء أربكان الاقتصادي كان عظيما في النزول بالتضخم والبطالة والدين الخارجي إلى أدنى نسبة، بالقياس إلى الحكومات السابقة، ورغم أدائه المتميز غير المسبوق للبلديات، التي تديرها جماعة الرفاه، ورغم دوره في تعزيز الحضور الدولي التركي خاصة بعد مبادرته بتأسيس مجموعة الثمانية الإسلامية إلا أن ذلك وبقدر ما رفع مكانة الإسلاميين لدى الشعب، بقدر ما رفع مستوى نقمة الدولة العميقة (جمعية رجال الأعمال والصحافة وقادة العسكر والقضاء)، فصعّدوا الضغط عليه حتى حملوه على الاستقالة، وحركوا أداة أخرى من أدوات سيطرتهم (المحكمة العليا) فحلت حزبه في أوج عطائه، بنفس الاتهام المعتاد وهو النيل من هوية الدولة العلمانية، كما تم حل حزب الفضيلة الذي حل محله سريعا للأسباب نفسهاا.
كان حل حزبي الرفاه والفضيلة نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الإسلامية التركية حيث قرر اثنان من تلاميذ أربكان( أردوغان وعبد الله غول) الانشقاق عنه وتشكيل حزب جديد هو العدالة والتنمية عام 2001 ليكون أقل مواجهة للعلمانية من النموذج الأربكاني، كان أردوغان الذي لايزال ممنوعا وقتها من مباشرة العمل السياسي بحكم قضائي يحمل خلفه تاريخا من الإنجازات إبان ترؤسه لبلدية إسطنبول منتصف التسعينات حيث استطاع أن يحررها من طائلة الديون التي بلغت ملياري دولار وحولها إلى أرباح واستثمارات، واتسمت فترة رئاسته بالنزاهة والتواصل مع الشعب، وبخاصة العمال حيث اهتم برفع أجورهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا.
خاض أردوغان تجربة الانتخابات التشريعية عام 2002 وفاز بـ 363 صوتا مشكلا بذلك أغلبية ساحقة لكنه لم يستطع ترأس حكومته بسبب تبعات سجنه، وأناب عنه رفيق دربه عبد الله غول، وتمكن أردوغان بعد ذلك من تولي رئاسة الحكومة بعد إسقاط الحكم عنه في آذار/ مارس 2002.
حقق أردوغان العديد من النجاحات السياسية والاقتصادية خلال رئاسته للحكومة لدورتين وخلال رئاسته للدولة وهو ما عزز موقف حزب العدالة والتنمية ومكنه من الحفاظ على تصدره للمشهد الساسي في تركيا حتى الآن.