تصفية الحسابات التركية الروسية في سوريا

(رويترز)
أثار إسقاط الطائرة الروسية أصداء على مستوى الإقليم والعالم، وأعاد التأكيد على التعقيد في المشهد السوري والمخاطر المترتبة عنها على الأمن الإقليمي والعالمي. فهذه أول طائرة روسية تُسقطها نيران دولة عضو في حلف الناتو منذ الحرب الكورية في مطلع الخمسينات. وقد جاء إسقاط الطائرة في وقت بدا أن روسيا تستعرض عضلاتها في الشرق الأوسط لإعادة التوازن إلى علاقاتها مع الغرب الأطلسي. فشكلت صفعة ثقيلة لكبرياء روسيا ومخططات إدارة بوتين الجيوسياسية. ولذا، فيجب ألا يكون هناك شك في غضب موسكو وعزمها على الرد. ولكن أين تقع جذور هذه الأزمة في العلاقات الروسية-التركية؟ وإلى أية درجة ستؤثِّر على مستقبل هذه العلاقات بين البلدين؟
جذور الأزمة
كما كل الدول المؤيدة للمعارضة السورية، لم تكن تركيا سعيدة بالتدخل الروسي العسكري المباشر ضد الثورة السورية في نهاية سبتمبر/أيلول 2015؛ وكما معظم هذه الدول، بدت تركيا وكأنها فوجئت بحجمه ودرجته. ولكن قلق تركيا من الخطوة الروسية كان من نوع آخر؛ فالحدود التركية مع سوريا تمتد إلى أكثر من 900 كيلومتر؛ وتركيا، كما السعودية وقطر، تلعب دورًا رئيسًا في دعم المعارضة السورية المسلحة والسياسية، على السواء. إضافة إلى ذلك كله، تستضيف تركيا ما يزيد على مليون من اللاجئين السوريين، الذين لم يكن هناك شك في أنقره أن التدخل الروسي سيضيف إليهم عشرات آلاف آخرين. ومجمل القول: إن المسؤولين الأتراك يرون التدخل الروسي مجرد استخدام سافر للمأساة السورية لخدمة أهداف أخرى لصراع موسكو مع الغرب.
قبل ثلاثة أيام من حادثة إسقاط الطائرة الروسية، عقد رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أغلو اجتماعًا عسكريًّا-أمنيًّا رفيع المستوى لمناقشة التصعيد الروسي ضد التركمان السوريين، الذين تربطهم وتركيا وشائج إثنيَّة وثقافية. والمعروف أن ليس ثمة وجود لتنظيم الدولة الإسلامية في جبل التركمان، ولا في كل منطقة المرتفعات الريفية شمال اللاذقية. المؤكد، أن اتصال وزير الخارجية التركي بنظيره الروسي للاحتجاج على استهداف الطيران الروسي للتركمان والتحذير من انتهاكات الطيران الروسي المتكررة للمجال الجوي التركي كان أحد نتائج هذا الاجتماع.
تداعيات إسقاط الطائرة
أصاب إسقاط الطائرة موسكو بما يشبه الصدمة. هذا هو الحادث الثاني، بعد تفجير تنظيم الدولة الطائرة الروسية في سيناء، الذي يمكن ربطه بالعملية الروسية في سوريا، التي حرص الرئيس الروسي على تقديمها لشعبه باعتبارها عملية نظيفة، مدروسة، وتتعلق بحماية روسيا ومصالحها وشعبها من “الإرهاب المحتمل”. وما فاقم من الموقف أن المعارضة السورية المسلحة نجحت بعد حادثة إسقاط الطائرة في تدمير طائرة مروحية روسية وقتل أحد أفراد طاقمها، أثناء قيام المروحية بالبحث عن طياري الطائرة التي أسقطتها الطائرات التركية. لم يُخْفِ بوتين صدمته في أول تعليق له على الحادث، بعد ساعات قليلة على إسقاط الطائرة، حيث قال: إن بلاده تلقت طعنة في الظهر في حربها على “الإرهاب”، ووصف تركيا بأنها متورطة في دعم تنظيم الدولة الإسلامية، وأن إسقاط الطائرة الروسية لن يمر بدون رد.
في اليومين التاليين، توالت التصريحات الروسية الغاضبة، التي انتقلت من التنديد بالتصرفات إلى التهجم على القيادات التركية، مثل قول الرئيس الروسي بوتين: إن العالم كله يعرف أن أردوغان يرعى مشروعًا لأسلمة تركيا.
الجانب التركي، من جهته، وبعد ساعات من إسقاط الطائرة، حاول الرئيس التركي إردوغان إجراء مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي، ولكن الأخير لم يًجب. في اليوم التالي، أجرى وزير الخارجية التركية مكالمة مع نظيره الروسي استمرت ساعة كاملة، ولكن لافروف رفض -كما يبدو- طلب جاووش أغلو ترتيب لقاء مباشر بينهما.
والواضح بصورة عامة أن الموقف التركي من الأزمة، الذي عبَّرت عنه تصريحات الرئيس أردوغان ورئيس الحكومة داوود أغلو ووزير الخارجية جاووش أغلو، دار حول المسائل التالية:
أن استهداف الطائرة لم يكن استهدافًا لروسيا، وما جرى كان التزام تركي، أُوضِح مسبقًا لكافة الأطراف المعنية، بقواعد الاشتباك المتعلقة بحماية سيادة الدولة.ورفضت تركيا الطلب الروسي بالاعتذار ، وقال الرئيس التركي ان الطرف الذي انتهك المجال الجوي التركي هو المطالَب بالاعتذار. وأن تركيا لا ترغب في تصعيد الأزمة، وأنها لم تزل تنظر إلى روسيا باعتبارها دولة جارة وصديقة، تربطها بتركيا روابط عميقة ومتراكمة.
حدود العقوبات الروسية
ليس من الواضح لماذا تكررت انتهاكات الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي منذ بدء العملية الروسية في سوريا في نهاية سبتمبر/أيلول. أحد الدوافع، ربما، هو استعراض القوة؛ أو مجرد استهتار روسي بالدور التركي في سوريا. ولكن يجب أيضًا عدم استبعاد التداخل المعقَّد للحدود التركية-السورية في منطقة الساحل الغربية. مهما كان الأمر، فالواضح أن موسكو لم تتوقع على الإطلاق أن يأتي رد الفعل التركي يومًا كما جاء عليه في 24 نوفمبر/تشرين الثاني. وكان واضحًا من تصريحات كبار المسؤولين الروس أن موسكو سترد الصفعة بصورة أو أخرى، عاجلًا أو آجلًا. الاحتمال الأول الذي جرى تداوله كان تصاعد الأزمة إلى مستوى الاشتباك العسكري، وليس بالضرورة الحرب الشاملة، سيما أن القوات الروسية في سوريا سارعت في الأيام التالية إلى زيادة معدل الغارات الجوية على منطقة جبل التركمان.
حرب أم تسوية
بيد أن هذا الاحتمال مستبعد؛ فتركيا، مهما كان موقف حلفائها في الناتو من حادثة الطائرة، هي عضو فاعل وبالغ الأهمية في الحلف. وبالنظر إلى أن الأوروبيين يواجهون أزمة لاجئين متفاقمة، وأن هناك توجهًا أوروبيًّا متسارعًا للانخراط في عمل عسكري ضد تنظيم الدولة في سوريا، فإن حاجتهم لتركيا أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. بمعنى، أن موسكو تدرك أن الاشتباك العسكري مع تركيا سيؤدي في النهاية إلى اشتباك مع حلف الناتو، وأن أحدًا ليس بإمكانه في حال الاشتباك مع الناتو توقع العواقب والتداعيات. ولا ينبغي المبالغة في قراءة نشر روسيا لنظام إس 400 المضاد للطائرات في شمال سوريا، أو رسوِّ حاملة الصواريخ المضادة للطائرات موسكوفا أمام ساحل اللاذقية؛ فالخطوتان قُرِّرتا قبل حادث إسقاط الطارة الروسية، على أية حال.
الاحتمال الثاني لما يمكن أن تتخذه روسيا من إجراءات يتعلق بالمجال الاقتصادي والتجاري؛ وهو مجال كبير ومتسع بالفعل. يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 35 مليار دولار، يميل بصورة هائلة لصالح روسيا، وقد فرضت بعض العقوبات الاقتصادية على تركيا ولكن هذه العقوبات ستترك أثرًا سلبيًّا على الاقتصاد التركي بلا شك، ولكنها تظل محدودة.
بيد أن هذا ليس كل شيء. بإمكان روسيا في المستقبل ربما إسقاط إحدى الطائرات التركية، وتبرير ذلك بخطأ ما أو بتحرش الطائرات التركية بطائرات روسية. كما يُتوقَّع أن تعزِّز روسيا علاقاتها العسكرية بوحدات حماية المجتمع (PYD) الكردية في شمال شرق سوريا، التي تعتبرها تركيا جماعات معادية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
محاذير التصعيد
تصرَّف الأتراك في حادثة الطائرة ضمن نطاق القانون والقواعد المعلنة لحماية سيادة بلادهم، ولكن موسكو لم تَرَ الأمور من هذه الزاوية، واعتبرت إسقاط الطائرة تصرفًا عدوانيًّا مهينًا .. ولهذا فمن الصعب تصور انفراج سريع للأزمة. مع ان روسيا وتركيا لا تسيران نحو حرب بين البلدين، بالطبع، ولكن روسيا لن تبتلع إهانة إسقاط الطائرة بدون فرض عقوبات على تركيا، تجارية واقتصادية، على الأقل لتوكيد انطباع القدرة على الردِّ لدى الرأي العام الروسي. وستظل ساحة المواجهة الرئيسة بين أنقرة وموسكو هي الساحة السورية. حيث ستصبح تركيا أكثر التزامًا بدعم قوى المعارضة، ومساعدتها على مواجهة الدعم الروسي المتصاعد لنظام الأسد، بينما ستحاول روسيا إيقاع أذى ملموس بحلفاء تركيا في سوريا، وتعزيز نفوذ خصومها؛ بما في ذلك التصدي لأي جهد لإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري.