هروب السياح يحوّل شرم الشيخ إلى مدينة أشباح

مهما كان سبب سقوط الطائرة الروسية فإن شرم الشيخ ستدفع الثمن غاليا. وسبب سقوط الطائرة الروسية حالة من الفزع بين السياح الأجانب وخاصة، ما دفعهم إلى مغادرة المدينة على وجه السرعة تاركين وراءهم مدينة تعاني من “هروب السياح” ومستقبل مظلم، ما يمكن أن يحولها إلى مدينة أشباح.
وقال مسؤول في شركة طيران أجنبية رافضا كشف هويته إن “الروس يقودون دفة السياحة في شرم الشيخ.. لكن السياح الروس منظمون جدا. يأخذون قرارات حكومتهم بجدية بالغة. على الأقل في المدى القريب فإن السياحة في شرم الشيخ ضربت”.
وأفاد مسؤولون روس بأن واحدا من كل خمس سياح روس يغادرون روسيا يتجهون إلى مصر، ولم يؤثر الانقلاب الذي تلا الاطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي في العام 2013، سلبا في توافدهم.
وإضافة إلى شرم الشيخ، تعد مدينة الغردقة على البحر الأحمر مقصدا رئيسيا للسياح الروس. وفي هذه المدينة السياحية يمكن رؤية الكلمات الروسية تجاور تلك العربية فوق المحال والمطاعم والصيدليات.
شريان حياة
ويعد قطاع السياحة أحد القطاعات الرئيسية للاقتصاد المصري، لكنه تضرر بشكل كبير وتراجعت عائداته منذ خلع مبارك في العام 2011 نتيجة الثورة وعدم الاستقرار السياسي والأمني.
والعام الماضي زار مصر عشرة ملايين سائح يشكلون نحو ثلثي الـ 15 مليون سائح الذين زاروها في العام 2010. وتؤمن السياحة نحو 15% من عائدات العملات الاجنبية ونحو 12% من إجمالي الناتج المحلي.
وتضطلع شرم الشيخ بدور رئيسي في محاولة إنعاش الاقتصاد المصري المتداعي، وخصوصا أن فنادقها ومطاعمها ومقاهيها ونواديها النابضة بالحياة تجتذب السياح طوال العام. ويقول مرشد سياحي “كل هذا سيموت إذا أحجم الروس والبريطانيون عن المجيء”.
واعتبر فواز جرجس ـ الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد ـ أن هناك “إجماعا لدى وكالات الاستخبارات أن قنبلة زرعت في الطائرة ما يعني أن مطار شرم الشيخ جرى اختراقه”.
وأضاف “تصوروا تأثير ذلك الطويل الأمد. شرم الشيخ شريان حياة. إنها البقعة المضيئة الوحيدة في السياحة المصرية والآن تعرضت لضربة موجعة”.
ولا يخفي محمد منصور قلقه من أن يكون السياح الروس الموجودون في فندقه الفخم في شرم الشيخ آخر زائريه لوقت طويل، بعد قرار موسكو تعليق الرحلات الجوية الروسية إلى مصر إثر تحطم الطائرة الروسية. وقال منصور الذي يدير فندقا من فئة الخمسة نجوم في منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر “نحن مصدومون”. وأضاف: “نحو 50% من رواد فندقي من الروس. الضربة جاءت قبل ذروة موسم الإجازات في أعياد نهاية السنة”.
وأمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بناء على توصية من أجهزة الاستخبارات، بتعليق جميع رحلات الطيران المدني الروسي إلى مصر، بعدما تعززت فرضية أن “قنبلة” أدت إلى إسقاط الطائرة الروسية ومقتل 224 شخصا هم ركابها وأفراد طاقمها، السبت الماضي، بعيد إقلاعها من مطار شرم الشيخ.
وفي ضوء ذلك أيضا، حذرت حكومات رعاياها من السفر لشرم الشيخ أو عمدت إلى إجلائهم منها؛ لكن قرار بوتين شكل ضربة موجعة لجوهرة السياحة المصرية والملاذ المفضل للسياح الروس. وأوضح منصور أن “الألمان والفرنسيين وباقي السياح الأوروبيين يأتون في مجموعات صغيرة منذ ثورة 2011” في إشارة للثورة التي أطاحت الرئيس حسني مبارك في فبراير/شباط من العام المذكور. وأضاف “الآن إذا ما امتنع الروس عن المجيء فإن شرم الشيخ ستموت”.
ولفت إلى وجود مئة سائح روسي حاليا في فندقه وأن تسعة من الركاب الروس الذين قتلوا في حادث السبت كانوا يقيمون في فندقه بينهم امرأة وطفلاها.
وشيدت شرم الشيخ كمدينة منتجعات سياحية قبل عشرين عاما وأصبحت من أهم أماكن الغطس في العالم. وفي العام 2013، زارها 2,5 مليون سائح أقلتهم عشرات من رحلات التشارتر يوميا وخصوصا من روسيا وبعض دول أوروبا الغربية.
وتطغى ثلاثة ألوان على هذه المدينة الحديثة الواقعة في أقصى جنوب شبه جزيرة سيناء: البحر الأزرق والجبال ذات الأصفر الداكن وأبيض الفيلات والفنادق الراقية.
وحتى عشية الحادث، كانت نحو 20 رحلة تنقل آلافا من السياح الروس يوميا إلى شرم الشيخ.
وأعلنت موسكو أن نحو ثمانين ألف روسي موجودون حاليا في مصر خصوصا في شرم الشيخ والغردقة على البحر الأحمر. لكن مئات منهم لا يزالون ينتظرون في طوابير طويلة في مطار شرم الشيخ آملين بمغادرة المدينة. وقالت السائحة الروسية أليساندرا كوندراتيفا “حقيقة لا أهتم بما سيحدث للسياحة في مصر الآن. أريد فقط السفر سالمة إلى بلدي”.
إدارة سيئة
ويبدي السياح في مطار المدينة استياءهم من الطريقة السيئة التي تعاملت بها شركات الطيران مع الأزمة بعد سقوط الطائرة الروسية.
وقال مستثمر من لندن يدعى بوافيش باتيل علق في شرم الشيخ مع ابنه البالغ ثلاث سنوات وزوجته الحامل في شهرها السابع “انظر إلى هذه الفوضى. لا أحد يعرف أي شيء”.
وبين عامي 2004 و2006 شهدت شرم الشيخ ومنتجعا طابا ودهب على البحر الاحمر موجة هجمات. وفي 23 من يوليو/تموز 2005 أوقعت سلسلة من الهجمات في المدينة 90 قتيلا. لكن المدينة التي أطلق اليونيسكو عليها اسم “مدينة السلام” في العام 2002 تجاوزت هذه الأزمة بسرعة.