تركيا: تحركات نحو دستور جديد يمحو آثارالحقبة العسكرية

عقب إعلان نتائج الإنتخابات البرلمانية الأخيرة والتي منحت حزب العدالة والتنمية أغلبية مريحة تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، دعا الرئيس التركي ومؤسس الحزب “رجب طيب أردوغان” إلى اعتماد دستور جديد بديلا للدستور القائم الذي وضعه إنقلاب كنعان ايفيرين 1982.
دعوة “أردوغان” لصياغة دستور جديد لم تكن الأولى من نوعها، فهذه القضية شغلت “العدالة والتنمية” منذ وصوله إلى السلطة في العام 2002، مستغلا في ذلك الرغبة التركية في دخول الاتحاد الأوروبي والذي يشترط معايير خاصة في الحريات والديمقراطية، وقد تسببت تحركات الحزب في احتقانات بينه وبين غيره من الأحزاب العلمانية من قبل، وكادت ان تقضي عليه في العام 2008 بقرار من المحكمة الدستورية التي حكمت لصالح بقاء الحزب بفارق صوت واحد فقط، لكن الغريب أن الدعوة لصياغة دستور جديد للبلاد ليست مقتصرة على العدالة والتنمية بل تشمل كل الأحزاب التركية( مع اختلاف في التفاصيل) لأنها تدرك أن الدستور القائم هو صنيعة نظام انقلابي عسكري (انقلاب كنعان إيفرين في العام 1980)، وهو يشبه الدستورين السابقين وهما أيضا من صنع جنرالات الجيش التركي حيث كان الدستور الأول من صنع مؤسس الجمهورية التركية الحديثة الجنرال مصطفى كمال أتاتورك في العام ،1924 وكان الدستور الثاني عقب انقلاب 1960 بقيادة عدد من ضباط الجيش أيضا.

 الاستقطاب السياسي
لكن حالة الاستقطاب السياسي في تركيا تدفع دوما الأحزاب للمناكفة، ورفض ما يطرحه “العدالة والتنمية” حتى لو كان متفقا من حيث المبدأ مع مطالبها.
في خطابه المتلفز يوم الأربعاء الماضي عقب إعلان النتيجة قال اردوغان ” مسألة اعتماد دستور جديد كان أحد أهم رسائل انتخابات الأول من نوفمبر/تشرين الثاني” ودعا أردوغان كل الاطراف السياسية الى العمل على دستور مدني جديد يحل محل دستور العام 1982 الذي اعده الجيش بعد انقلاب.
وفي وقت سابق قال  إبراهيم كالين المتحدث باسم أردوغان”إن البلاد قد تجري استفتاء على تعديل الدستور لتطبيق نظام يمنح الرئيس سلطات تنفيذية وإن المناقشات بشأن الأمر ستزيد في الفترة المقبل”.مضيفا “لا يمكن مناقشة قضية مثل النظام الرئاسي دون الشعب، إذا كانت الآلية تتطلب استفتاء فسنجري استفتاء”.
وتابع “الرئاسة التنفيذية ليست مسألة تتعلق بالمستقبل الشخصي لرئيسنا، لقد دخل التاريخ بالفعل، الدافع الرئيسي هو أن يكون النظام في تركيا على أعلى درجة من الفاعلية.”
هذه النقطة تحديدا وهي المتعلقة بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي هي محل الخلاف بين الأحزاب التركية، إذ بينما يتبنى العدالة والتنمية هذا الانتقال بدعوى الحفاظ على الإستقرار السياسي فإن الأحزاب المعارضة الأخرى ترى ذلك هو مجرد “شرعنة” لهيمنة أردوغان على السلطة وتفرده بها.

التحركات لصياغة دستور جديد ستستغرق وقتا، وستحتاج إلى جهود مضنية لإقناع بقية الفرقاء السياسيين وفئات الشعب المختلفة بهذا الدستور، وعلى الأغلب سيتم إرجاء التحركات إلى ما بعد قمة مجموعة العشرين التي تستضيفها تركيا يومي الخامس عشر والسادس عشر من الشهر الجاري في مدينة أنطاليا حسب المحلل التركي ميتين توران في تصريح لـموقع “الجزيرة مباشر”، والذي أشار أيضا إلى تعقيدات الخارطة السياسية التركية إزاء الدستور المستهدف، وكذا التحولات الكبيرة التي تجري حاليا داخل الأحزاب التركية عقب إعلان النتيجة والتي كانت مفاجئة للكثيرين، ودفعتهم إلى إعادة تقدير حساباتهم السياسية.

كما اشار توران إلى وجود انقسامات داخلية وتشققات في الأحزاب التركية قد تقلب الأوضاع خلال الفترة المقبلة حيث يشهد حزب الحركة القومية حالة تمرد داخلية كبرى سمحت لبعض قياداته بالانتقال إلى حزب العدالة والتنمية، كما ان حزب الشعب الجمهوري يشهد بعض المشاكل وكذا حزب الشعوب الديمقراطي  الكردي ولم ينجو “العدالة والتنمية” ذاته من هذا الحراك الداخلي حيث هناك أزمة حاليا مع اثنين من مؤسسي الحزب وهما بولنت أرينج رئيس البرلمان السابق وعبد الله غل رئيس الجمهورية السابق والذي قد يؤسس حزبا سياسيا جديدا خلال الفترة المقبلة. 

المعركة بحسب المتابعين ليست مقتصرة على الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي  مجاملة لأردوغان كما يصور خصومه؛ لكنها تتعدى ذلك إلى دستور مدني كامل، يضعه ممثلو الشعب التركي من كل الفئات والأطياف وليس مجرد لجنة يشكلها “جنرالات منقلبون”، وهي دعوة مطروحة من كل الأحزاب بحسب الإعلامي التركي سليمان أحد، الذي أوضح أن المناكفات السياسية هي التي أفشلت الجهود السابقة لصياغة دستور جديد للبلاد في إطار اللجنة البرلمانية التي كانت مشكلة لهذا الغرض بمشاركة ممثلين لكل الأحزاب التركية.

التوافق
ولكن الإعلامي التركي يعتقد أن الأجواء ربما تكون مناسبة أكثر الآن للدخول في تفاهمات حول الدستور وخاصة بعد التصريحات المطمئنة التي أطلقها رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو في خطاب النصر، والتي لاقت ترحيبا من الصحافة التركية بمختلف توجهاتها، كما أن الحكومة الجديدة قد استفادت من درس انتخابات 7 يونيو 2015 والتي لم تمنح حزب العدالة والتنمية أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة منفردا وأجبرته على دخول انتخابات جديدة، وهي تجربة ستظل مؤثرة في تحركات الحزب وتدفعه للتوافق مع الأحزاب الأخرى حول الدستور وتغيير النظام السياسي للبلاد حتى لايواجه اعتراضات شديدة وربما مظاهرات صاخبة تشبه تلك التي شهدها ميدان تقسيم من قبل.
أما مسالة التحول من النظام البرلماني الحالي إلى نظام رئاسي فهو يستهدف بحسب – الإعلامي التركي- الحفاظ على الاستقرار السياسي في تركيا التي عانت كثيرا من الحكومات الائتلافية التي ينتجها النظام البرلماني والتي لم تعد مناسبة لأوضاع تركيا التي تعاني من مخاطر كثيرة على حدودها، وحتى داخلها، والتي نجحت شخصية الرئيس أردوغان في تجنيبها لهذه المخاطر حتى الآن؛ لكن لا أحد يضمن تكرار هذه الشخصية مستقبلا، خاصة أن الرئيس أصبح ينتخب بشكل مباشر من الشعب، وهو بالتالي يحتاج إلى صلاحيات دستورية تمكنه من قيادة البلاد والوقوف في وجه المؤامرات التي تتعرض لها.

وإذا كان أردوغان والمتحدث باسمه قد فتحا باب النقاش مجددا حول الدستور الجديد، فإن من المتوقع ان يستغرق الأمر وقتا طويلا في النقاش والجدل، كما ان حزب العدالة والتنمية لايتمتع بأغلبية كبيرة تمكنه من تمرير الدستور عبر البرلمان فقط ، وهو ما يتطلب موافقة 367 نائبا بينما لايتوفر الحزب سوى على 317 نائبا أي أنه بحاجة إلى 50 نائبا لتمرير الدستور داخل البرلمان، وهذا العدد يمكن توفيره من خلال تحالف مع أحد الأحزاب الأخرى، مع تقديم محفزات له.

استفتاء شعبي على الدستور
 ولكن في كل الأحوال فإن العدالة والتنمية سيلجأ إلى الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد بهدف ضمان أكبر قاعدة له تمنع من انقلاب البعض عليه حال توفر أغلبيه برلمانية له، وقبل الاستفتاء سيحتاج الحزب أيضا إلى إدارة حوار حزبي ومجتمعي واسع حول الدستور أخذا بعين الإعتبار رسالة الناخبين في انتخابات 7 من يونيو/حزيران الماضي والتي فهمها الحزب باعتبارها رفضا لتوجهه العاجل نحو النظام الرئاسي؛ لكن تحولات حدثت بعد الانتخابات الأخيرة أيضا دفعت حزبا مثل الشعوب الديمقراطي الكردي الذي رفع من قبل شعار “لن نجعلك رئيسا يا أردوغان” إلى القبول حاليا بالنظام الرئاسي في إطار دستور جديد يجسد المواطنة الكاملة ويرسخ الحقوق المدنية والسياسية والثقافية للأكراد ايضا.

كانت هناك معركة أخرى لتعديل الدستور بشأن إلغاء حظر ارتداء الطالبات الجامعيات للحجاب بتغيير المادة 10 المتعلقة بالمساواة، وإضافة فقرة جديدة إلى المادة 42 المتعلقة بالحق في التعليم، وحظى هذا التعديل بالتأييد ليس فقط من جانب نواب حزب العدالة والتنمية ، وإنما أيضا من جانب نواب حزب الحركة القومية ، وحزب الشعوب الديموقراطي الكردي، وبعض المستقلين، وتم اعتماده بأغلبية ساحقة قياسية بلغت 411 صوتا، ومع ذلك رفع حزب الشعب الجمهوري وحزب اليسار الديموقراطي التعديل إلى المحكمة الدستورية، بدعوى معارضته للنظام العلماني، وفي الخامس من يونيو/حزيران 2008، أصدرت المحكمة حكما آخر مثيرا للجدل يقضي بإلغاء هذا التعديل، بالمخالفة لقواعد عملها.

أما المعركة الدستورية العاصفة الأخرى التي مر بها الحزب فهي مسعى المدعي العام في مارس 2008 لحظر حزب العدالة والتنمية متهما إياه بتقويض الطابع العلماني للدولة، وهي معركة شهيرة انتهت برفض المحكمة لهذا الطلب بفارق صوت واحد في 30 من يوليو/تموز 2008، وإن كانت المحكمة قد قررت حرمان الحزب جزئيا من التمويل الحكومي.

في العام 2010 دخل الحزب معركة دستورية جديدة  شملت تعديل 24 مادة من الدستور وإضافة مادتين مؤقتتين، وتضمنت حزمة التعديلات تحسينات ديمقراطية كاستحداث مكتب لأمين المظالم، واعتماد الشكاوى الدستوية، وإدخال حقوق أساسية جديدة أو توسيع نطاق حقوق أساسية قديمة معينة، وتعديل المادة المتعلقة بالمساواة لتسمح بالعمل الإيجابي لصالح الفئات المحرومة. وتعديلات خاصة بالسلطة القضائية، لا سيما مجلس القضاة الأعلى والمدعين العامين والمحكمة الدستورية، حيث تمت زيادة عدد قضاة المحكمة الدستورية من 11 (مع أربعة بدلاء) إلى 17 قاضيا، بطريقة تتوافق مع المعايير الأوروبية وتم اعتماد هذه التعديلات في استفتاء شعبي في12 من سبتمبر/أيلول  2010 بأغلبية 58 في المئة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان