خمس سنوات على الثورة التونسية .. “بوعزيزي”

قبل خمس سنوات وفي صباح يوم كهذا من أيام فصل الشتاء البارد ، كان الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في قصره، متنعما بما لذ وطاب من النعم متمتعا بالصحة والعافية ، وربما جالسًا مع زوجته وابنه المدلل للاحتفال بقرب حلول السنة الميلادية الجديدة وانطواء عام الفين وعشرة كسنوات كثيرة سبقته وهو في الحكم .
ذلك اليوم هو السابع عشر من ديسمبر ، وكل شيء على ما يرام ، فالأحرار يعانون الخرس ، والمعارضون في السجون ، على اختلاف التوجهات ، علمانيين كانوا أو إسلاميين ، أو ليبراليين .. فكل التوجهات سواء في المعارضة.
أن يعتقل مواطن تونسي وقتها ، فله أسباب كثيرة واهية وهشة هشاشة نظام الرئيس بن على ذاته ، المنظمات الحقوقية أصدرت عشرات التقارير والبيانات ، كما أصدر المعتقلون مئات الكتب التي تروي تجاربهم الشخصية ، تحدثت جميعها عن التعذيب وطرقه ، وآلياته وأدواته، وربما تناولت بعض أسماء الجلادين.

وقبل أيام بل ساعات من اندلاع الثورة التونسية ، استيقظ بن على ونظامه في هلع على نبأ قيام شاب يبلغ من العمر ستة وعشرين عاما بحرق نفسه في محافظة سيدي بوزيد أمام مقر الولاية، احتجاجًا على مصادرة السلطات البلدية لعربته التي كان يبيع عليها الخضر والغلال ، بعد أن صفعته شرطية على وجهه لا لشيء إلا لأنه أراد أن يكسب عيشه دونما قهر، حادث لم يوليه النظام التونسي أهمية كبري في حينها إلا أنه أدرك بعدها بقليل أن النار تستعر تحت الرماد ، فسرعان ما اندلعت الاحتجاجات الغاضبة من قِبل ساكني المدينة، ليُـصدم الجلادون ، ويزلزل الرعب أركان سلطانهم ، كما عم الخوف أرجاءه.
لقد حدث ما لم يكن في الحسبان ، وتفجرت شرارات الثورة التونسية، و بدأت جموع شعبية غاضبة تخرج للتظاهر في 17 ديسمبر ليس نصرة للبوعزيزي بقدر ما هي نصرة للحرية وللكرامة البشرية والعيش الكريم الذي منعوا منه بسبب الديكتاتورية وسياسة العصى الغليظة التي كسرتها الجموع الغاضبة من التونسيين بلا رجعة.
إن سبب حرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي لم يحسم بشكل نهائي إلى يومنا هذا، كما لم تحسم الثورات إرساء الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في الدول التي تفجرت فيها، إلا أن الثابت هو أن السابع عشر من ديسمبر يظل تاريخا مفصليا في تونس ، لانطلاق ثورة بلا قائد ، فليس البوعزيزي من كان قائدها وملهمها بقدر ما كان الظلم المسلط على التونسيين من قِبل السلطة وبطش الأجهزة الأمنية الدافع لخروج الشعب لإزالة هذا الظلم.