سياسة “عض الأصابع” بين بوتين و أردوغان

الرئيسان: التركي أردوغان والروسي بوتين ـ أرشيف

تستمر سياسة عض الأصابع بين أنقرة وموسكو على خلفية إسقاط القوات الجوية التركية طائرة روسية بعد انتهاكها الأجواء التركية، وتتصاعد حدة التصريحات والإجراءات بين الطرفين على الرغم من ميل الجانب التركي للتهدئة.
 
اختبار قوة

ومنذ أسبوع يدور اختبار قوة عنيف بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، أثر على روابط الصداقة بينهما وهدد العلاقات بين البلدين وبات يعتبر مواجهة بين “السلطان” و”القيصر”. من الاتهامات إلى التهديدات والشتائم، بلغ التوتر ذروته بين الرئيسين منذ أن أسقط الطيران التركي في 24 من نوفمبر/ تشرين الثاني على الحدود السورية مقاتلة روسية انتهكت بحسب أنقرة مجالها الجوي.

مواجهة شخصية

وهذه المواجهة بين الرئيسين اتخذت طابعا شخصيا منذ أن أكد بوتين أن “زمرة” أردوغان وأسرته متورطون في تهريب النفط الخام الذي يستخرجه تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. ورد أردوغان بأنها “افتراءات”، وواصفا تصريحات بوتين بأنها “غير متزنة”.

احتجاز السفن

ولجأت السلطات التركية إلى احتجاز 4 سفن في ميناء سامسون التركي على البحر الأسود وقامت بتفتيشها ثم سمحت بإبحار ثلاث منها، ردا على منع سلطات ميناء نوفورسيسك الروسي 5  سفن تركية من الإبحار خلال أسبوع، وقال مراسل الجزيرة في أنقرة إن أربعا من أصل ست سفن تعرضت لاحتجاز وتفتيش دقيق من قبل سلطات الميناء التركي، التي وجدت فيها نواقص في الشروط، وإنه تم إخلاء سبيل ثلاث بعد استكمال النواقص، في انتظار تصحيح وضع السفينة الرابعة ورفع الحظر عن إبحارها، واعتبر أن هذه الإجراءات قد تمتد إلى المعابر البرية، وأنها تأتي ردا على العقوبات الاقتصادية الروسية ضد أنقرة على خلفية إسقاط تركيا مقاتلة روسية قبل نحو أسبوعين.

عقوبات من دون تأثير

وقلل الرئيس التركي من تأثير العقوبات الروسية على بلاده، وقال إن تركيا تبحث عن مصادر أخرى للطاقة بدلا من روسيا، مستنكرا ما وصفه بالتصعيد والكلمات النارية الصادرة عن موسكو.  وفي خطاب له في اسطنبول، وصف أردوغان العقوبات الروسية بأنها “انفعالية”، قائلا إن “تركيا ليست دولة تنهار بسبب توقف التصدير لروسيا، وفي كل الأحوال ستُفتح أبواب أخرى، وهذا ما بدأ بالفعل”. وأضاف: أنه “في الوقت الذي كان الجميع يفرض عقوبات على روسيا، لم تطبق تركيا تلك العقوبات، واستمرت في تصدير المواد الغذائية لروسيا، لأنها حليفنا الاستراتيجي”. وبخصوص المشاريع الكبرى، قال أردوغان “لا توجد أية إشارة حتى الآن، على أن المشاكل بيننا وبين روسيا ستؤثر على مشاريع من قبيل الغاز الطبيعي ومفاعل آق كويو النووي”.

وأضاف “أدعو لعدم تصديق الأخبار الكاذبة التي تقول إن روسيا أوقفت مشروع السيل التركي لنقل الغاز، على العكس، لقد تم تجميد المشروع من جانبنا لفترة من الزمن بسبب عدم الاستجابة لطلباتنا، وبالتالي فإن المشروع لم يتأثر سلبا نتيجة للأحداث الأخيرة”.

إجراءات روسية

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقع  مرسوما يفرض إجراءات عقابية ضد تركيا، من بينها فرض تأشيرات على الأتراك وتشديد الرقابة الجمركية على البضائع التركية، وحظر جلب الأيدي العاملة التركية، وحظر استيراد بضائع محددة. وألزم المرسوم مكاتب السياحة منع بيع تذاكر السفر إلى تركيا والامتناع عن تنظيم رحلات إليها بداية من مطلع العام المقبل، وذلك بهدف “ضمان الأمن القومي وأمن المواطنين الروس” بحسب الكرملين.

حرب كلامية

ووفقا للمحللين فان الحرب الكلامية بين الزعيمين لن تهدأ في مستقبل منظور. وقال فيليب غوردون المحلل في المجلس الأمريكي للعلاقات الأجنبية “يبدو أن كلا منهما متمسك بمواقفه ولن يتراجع عنها”. وأضاف “لا أعتقد أن أيا منهما مستعد للتراجع قريبا”. وبنى بوتين كما أردوغان مسيرته السياسية وشرعيته على صورة الزعيم القوي الذي لا يتراجع عن مواقفه مهما كان الثمن.

مصداقية على المحك

وقال فريدريك ويسلو من المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية إن “الرئيسين راهنا على هيبتهما الشخصية للوصول إلى سدة الحكم”. وأضاف “ستكون مصداقيتهما على المحك إذا أظهرا أي دليل ضعف. مثلا إذا اعتذرا أو أظهرا رغبة في المصالحة”.

وحتى هذه الأزمة كانت هذه الطباع المتقاربة جعلت من بوتين وأردوغان ثنائيا دبلوماسيا متينا. وساهمت مسيرتهما في تقريبهما. فقد وصل كل منهما إلى السلطة إثر أزمة اقتصادية خطيرة.

وبرغم الخلافات الواضحة حول الحرب في سوريا أو الأزمة الدائرة في أوكرانيا وتاريخ بلادهما الصعب، ساهمت علاقتهما الشخصية في تطوير تعاون مثمر خصوصا في مجال الطاقة.

وتم اختيار الروس لبناء أول محطة نووية تركية في أكويو (جنوب) على ضفاف المتوسط ويتوقع أن يقوم البلدان ببناء أنبوب للغاز باسم السيل التركي (توركستريم) في مشروعين قيمتهما عشرات مليارات الدولارات.

زواج المصلحة

ولازدراء الاتحاد الأوربي الذي يؤخر إجراءات انضمام تركيا اليه، اقترح أردوغان في 2013 انضمام بلاده إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي أسستها موسكو وبكين. لكن خلال عشرة أيام انهار “زواج المصلحة” بين الأتراك والروس. وقررت روسيا إعادة فرض تأشيرات دخول على السياح الاتراك وجمدت مشروع السيل التركي وفرضت حظرا على استيراد الخضار والفاكهة التركية. لكن الرئيس التركي أعلن أن أنقرة هي التي رفضت مشروع السيل التركي.

صداقة وندم

وكان الخلاف شديدا لدرجة أن الزعيمين أعربا عن مرارة. وقال بوتين “أشعر بأسف لأنني بذلت شخصيا جهودا كبيرة لفترة طويلة لبناء هذه العلاقة”. وبالنبرة نفسها تحدث أردوغان عن حنين لأوقات الصداقة التي ولت وكان فيها مقربا كثيرا من نظيره الروسي ورئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني والمستشار الألماني غيرهارد شرويدر. وقال الرئيس التركي بحسرة “كان (بوتين) يشيد بشجاعتي وجرأتي. حتى إنه أشاد بنزاهتي وميزاتي كرجل دولة”.

التناغم المفقود

ووراء التناغم بين الرجلين، تخطت الأزمة الحالية إطار العلاقات الثنائية البحتة. وبعد ثلاثة أسابيع من هجمات باريس ساهم الحادث في تعقيد عملية تشكيل تحالف كبير ضد الجهاديين وسبل التوصل إلى حل سياسي للنزاع السوري الذي كان حاضرا في محادثات فيينا. وقال فيليب غوردن “سيستمر الفتور بين البلدين لفترة طويلة ما سيجعل مهمة الأمريكيين في فيينا أكثر صعوبة”. وقال المسؤول عن مكتب رئيس الوزراء سيرغي إيفانوف إن العلاقات بين بوتين و أردوغان لن تكون كما سابق عهدها إطلاقا”.


إعلان