أمام معبر رفح تختلط مشاعر الفرح بالحزن

مشهد يختلط فيه الحزن بالفرح، هو مشهد الفتح الطارئ لمعبر رفح بين مصر وغزة بعد أسابيع من الإغلاق. ووسط مطالبات داخلية في غزة، بالفتح الدائم للمعبر لإنهاء وضع إنساني متدهور بالقطاع.
فمن شدة فرحته بقدوم والده العالق منذ 3 أشهر على المعبر رفح في الجانب المصري، أصر الابن الفلسطيني أن يستقبله بسيارة تغطيها باقات الورود، وبثت وزارة الداخلية الفلسطينية بغزة على صفحتها فوق الفيسبوك صورة تلك السيارة، ربما لكي تعكس معاناة أهل غزة.
في ذات التوقيت عم الحزن بين العائدين إلى غزة في اليوم الثاني لفتح المعبر عندما توفيت السيدة الفلسطينية يسرا الخطيب، في الجانب المصري من معبر رفح أثناء انتظارها لفتح المعبر لدخول قطاع غزة.
وقال شهود عيان إن السيدة يسرا تُركت قيد الانتظار وبين حقائب المسافرين منذ الساعة الواحدة والنصف ظهراً، في طقس شديد الحرارة لم تشهد المنطقة مثيله منذ سنوات.
وبينما كانت تلك السيدة المتوفية تلفظ أنفاسها الأخيرة، دعا رئيس الحكومة الفلسطينية السابق إسماعيل هنية القاهرة إلى :”فتح معبر رفح بشكل دائم من الاتجاهين، وإعلاء شأن الإخوة على تعقيدات السياسية والأمن”، وقال ” لم ولن نعبث بأمن مصر”.
وأضاف هنية ” قضية معبر رفح ليست قضية أمنية، ولكنها قضية سياسية وإنسانية لشعب يقاوم الاحتلال ويسعى لنيل الحرية ،لأنه المعبر الوحيد لأهل غزة”.
وكانت السلطات المصرية سمحت بفتح معبر رفح يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين في اتجاه واحد لإدخال العالقين الفلسطينيين إلى قطاع غزة، وذلك بعد إغلاق دام 86 يوما.
وحول الأجواء التي صاحبت مرور من الجانب المصري قال الناشط السينائي عيد المرزوقي لمباشر مصر :”أجواء طبيعية، ولا جديد… السلطات المصرية أدخلت من جانبها بضعة مئات من المرضى والعائدين لغزة، والذين كانوا ينتظرون فتح المعبر بالعريش منذ شهور، وأعادت إغلاق المعبر مرة أخري”.
وفي إحصائية تبين أوقات فتح وغلق المعبر خلال العامين الماضيين قال أياد البزم -المتحدث باسم وزارة الداخلية بغزة- للجزيرة مباشر:” معبر رفح جرى إغلاقه 135 يوما منذ بداية العام الجاري، فيما لم يفتح إلا بشكل جزئي لمدة 5 أيام فقط، فيما تم إغلاقه 241 يوما العام الماضي”.
ودعا البزم مجددا السلطات المصرية لمراجعة سياساتها بهذا الخصوص وتقدير معاناة قرابة 2 مليون فلسطيني محاصرين منذ 8 سنوات”.
وكشف المرصد الأورومتوسطي في بيان له أن السلطات المصرية أغلقت معبر رفح لفترة تقدر بحوالي 70% من الوقت منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع، فيما بقي المعبر في عام 2014 مغلقاً لحوالي 66% من الوقت.
الحالات الإنسانية
وفي معرض شرحه لمعاناة أهل غزة قال ماهر أبو صبحة، مدير هيئة المعابر والحدود في غزة بتصريح إعلامي: “بلغ عدد من هم بحاجة للسفر من الحالات الإنسانية أكثر من 90 ألف مواطن، تم تسجيل الأكثر حاجة للسفر وعددهم 15 ألف شخص”.
وأوضح أبو صبحة:” من بين المسجلين للسفر 3500 مريض، أكثر من نصفهم مرضى سرطان، وحوالي 2500 طالب، والآلاف ممن انتهت إقاماتهم – التأشيرات- أو توشك على الانتهاء وحملة الجوازات المصرية والأجنبية”.
وأضاف: “حتى الآن جرت العادة عند الجانب المصري فتح المعبر لمدة يومين أو ثلاثة أيام بعد إغلاق يزيد عن 50 يوما”.
وأكد أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة بغزة، أن إغلاق معبر رفح البري يعيق سفر 4000 مريض بتحويلات رسمية، وضعفيهم ممن يسافرون للعلاج على نفقتهم الخاصة، محذراً من أن هؤلاء يواجهون خطر الموت أو تدهور حالتهم الصحية نتيجة حرمانهم من الحق في السفر والحق في العلاج “.
وشدد على أن :”التداعيات الخطيرة لإغلاق معبر رفح لا تتوقف على منع المرضى من السفر، إنما تمتد لحرمان غزة من كميات كبيرة من الأدوية كانت تأتي عبر المعبر، مبيناً أن 30 % من الأدوية التي يحتاجها مرضى قطاع غزة، كانت تدخل عبر معبر رفح قبل إغلاقه من خلال شركاء العمل الصحي”.
ولكي تحاول تخفيف الحرج عنها ورداً علي ما يثار بغزة ويتعلق بمأساة الحصار، حاولت السلطات المصرية تحميل المسئولية للسلطة الفلسطينية في رام الله، ونقلت وكالة معا الإخبارية عن مصدر أمني فلسطيني أن عبد الفتاح السيسي أكد لمحمود عباس “أن معبر رفح تحت أمر السلطة الفلسطينية، والرئيس أبو مازن في أي وقت يشاء يمكن إعادة فتحه”، مضيفا أن معبر رفح سيعمل وفق الاتفاقيات السابقة “.
الجدير بالذكر أن اتفاقية المعابر تم توقيعها بين مصر والسلطة الفلسطينية عندما نفذت تل أبيب خطة فك الارتباط الأحادية عام 2005، وانسحبت من قطاع غزة، وأشرف مندوبين من الاتحاد الأوروبي على مراقبة العمل بمعبر رفح، وهي الخطة التي أوقف العمل بها في صيف 2007 عندما حدث الانقسام الفلسطيني، وتم فرض حصار شامل علي غزة.
وتفاعلا مع الأزمة الإنسانية التي تعصف بالقطاع كانت الأمم المتحدة قد دخلت علي الخط، وأعربت عن قلقها من منع آلاف الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم منذ إغلاق المعبر في 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، وناشد بان غي مون السلطات المصرية وإسرائيل فك الحصار عن غزة.
اعتصام ومناشدة
ومن أجل توصيل صوتهم للعالم قال عودة عابد المتحدث باسم العالقين من الجانب الفلسطيني للجزيرة مباشر إنهم :”اعتصموا صباح يوم الثلاثاء الموافق 26/5/2015 بشكل مفتوح أمام بـوابـة معبر رفح البري للمناشدة والضغط على كل المسئولين، وأصحاب القرار سواء من الجانب المصري أو الجانب الفلسطيني للسماح لهم بالعبور”.
كما ناشدت القوى الوطنية والإسلامية في القطاع، مصر بضرورة فتح معبر رفح بشكل دائم وبانتظام من الاتجاهين.
وحول المعطيات الدولية والإقليمية المتوفرة، والتي تكفل رفع الحصار عن غزة يكشف الباحث الأمريكي نيري زيلبر في دراسة لصالح مركز واشنطن في أغسطس/آب الماضي :”لا بد لأي قرار برفع الحصار عن غزة أن يكون مرهوناً بانتهاء سيطرة حماس الفعلية على القطاع، وبذلك يكون للمعابر الدور المحوري في ضمان أهداف المجتمع الدولي على المدى الطويل”.
ويحصر أهداف المجتمع الدولي في دراسته بالآتي: “تسهيل عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، وتحديداً إعادة نشر القوات الأمنية التابعة لها؛ تنفيذ برنامج واسع للتنمية وإعادة الإعمار؛ بدء عملية لنزع سلاح حماس”. وهي في الواقع أهداف لتل أبيب وليس للمجتمع الدولي، حسبما قالت حماس مراراً.
وتري مجموعة الأزمات الدولية في دراسة أخري :”ثمة مؤشرات أولية على إدراك ولو متأخر بين صناع السياسات الإسرائيلية بأن محاصرة القطاع أضر بأمن إسرائيل وساعد في التسبب بالحرب. سيتبلور نطاق هذه المؤشرات في المفاوضات غير المباشرة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق نار بين إسرائيل وحماس”.
وحول الرؤية المصرية لفك الحصار عن غزة قال عمرو عادلي في دراسة لمركز كارنجي إن الحكومات المصرية المتعاقبة طالما أعلنت خشيتها من أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وفرض الحصار جواً وبحراً وبراً على القطاع، محاولة لتصدير عبء إعاشة ـثم إدارةـ القطاع إلى مصر في إطار مساعي إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية”.
ويضيف أنه من الصعب الوقوف على أي مصلحة تتحقق لمصر من إدامة الحصار على غزة، بل أن الموقف المصري التقليدي كان دائماً ما يريد تحميل مسؤولية القطاع لإسرائيل، ولا شك أن إلقاء مصر لوزنها كوسيط تقبله إسرائيل لتخفيف الحصار، وإحياء اتفاق 2005 الخاص بالمعابر، يصب في صالح الموقف المصري من إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع باعتبارها الطرف الأصيل في اتفاق المعابر، وفي إيجاد حل للحصار الخانق على القطاع من خلال إسرائيل وليس من خلال مصر، بخاصة مع إغلاق الأنفاق بين سيناء وغزة.