مصر.. بيان الأجهزة الأمنية يعيد صورة دولة المخابرات

عشية جلسة الحكم التي كانت مقررة اليوم لإصدار حكم الإعدام بحق الرئيس المصري محمد مرسي والتي تأجلت إلى 16 يونيو، ظهر إعلان غريب لما يوصف بالأجهزة الأمنية عن مخطط خطير لتدمير مصر، وظلت وسائل الإعلام المصرية تروج للبيان المرتقب وعلى رأسها قنوات التليفزيون الرسمي، وحين جاءت لحظة الإعلان عن ذلك المخطط ظهر أنه مجرد أشياء هلامية ومجرد قنبلة غاز تخفي أشياء أخرى، فوفقا للبيان الذي أذاعه التليفزيون الرسمي تمكنت الأجهزة الأمنية من رصد وإحباط مخططات تنظيم الإخوان الدولي، التي تستهدف جمع معلومات استخباراتية، وتنفيذ عمليات عدائية ضد أجهزة الدولة ومؤسساتها وشعبها، وبصفة عامة رجال الشرطة والجيش والقضاة والإعلاميين، وقيادات سياسية وشخصيات عامة، فضلا عن بث أخبار كاذبة تضر بالمصالح القومية للبلاد.
كان الغريب والمثير للدهشة هو توجيه اتهامات لبعض الأشخاص في هذا المخطط مثل أيمن جاب الله مدير قناة الجزيرة مباشر والذي يعلم كل العاملين في المجال الإعلامي سواء في قناة الجزيرة أو من زملائه القدامى في قناة العربية أو بي بي سي أو حتى التليفزيون المصري أنه لا ينتمي لجماعة الإخوان، وكذا وصف الدكتور أيمن علي مستشار الإعلام برئاسة الجمهورية في عهد مرسي بـ”الهارب خارج البلاد” رغم انه معتقل منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وأخيرا ذكر البيان الأمني أن هذا المخطط بدأ منتصف العام 2012 أي إبان عهد الرئيس مرسي.
رغم ضحالة ما تضمنه البيان من معلومات، إلا أن القنوات المصرية الداعمة للانقلاب حرضت على تعظيم هذا الإنجاز باعتباره “أكبر قضية اختراق للأمن المصري يتم الكشف عنها وأول قضية معلومات عرفناها” بتوصيف الإعلامي عمرو أديب، وباعتباره البيان “الأول من نوعه الذي تشترك فيه جميع الأجهزة التى تقوم على حماية البلاد، في سابقة هي الأولى فى تاريخ مصر ما يدل على خطورة الموقف وأهمية البيان” حسب تصريحات الخبير العسكري سامح سيف اليزل المقرب من النظام الحاكم.
ورغم هذه الحملة التي حاولت تضخيم البيان والعملية الأمنية، إلا أن البيان اقتصر على ذكر بعض العموميات ولم يذكر وقائع محددة على خلاف البيانات المنية السابقة وهو ما دعا الإعلامي عمرو أديب ايضا وفي تناقض منه لوصف بيان الداخلية أنه غامض تمامًا.
الغموض لم يكن فقط في محتوى البيان ولكن أيضا في الجهات التي أصدرت البيان والتي وصفت نفسها بالأجهزة الأمنية، وليس وزارة الداخلية او قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية مثلا، كما لم تقم هذه الأجهزة بدعوة وسائل الإعلام في مؤتمر صحفي للإعلان عن ذلك المخطط والمضبوطات كما جرت العادة من قبل ، وهذا يطرح تساؤلا عن ما هية هذه الأجهزة الأمنية صاحبة هذا السبق الأمني.
هذا الإعلان بهذه الصيغة أعاد وفقا لمحللين هيمنة جهاز المخابرات سواء العامة أو الحربية، على إدارة العمل الأمني في مصر، في عودة قوية لدور هذا الجهاز الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد والممسك بكل الملفات الأمنية الداخلية والخارجية منذ إنشائه عام 1957 حتى هزيمة 5 يونيو 1967 حيث شعر عبد الناصر بتضخم دور الجهاز وخطورته ففتح تحقيقا فيما وصف بانحراف جهاز المخابرات، بدأ التحقيق في أغسطس 1967 وتناول سوء استخدام النساء والتبديد في الأموال السرية للجهاز، وقد تم التحقيق مع الكثير من الفنانات و14 ضابط من الجهاز، وأسفرت التحقيقات التى قادها نسيم قلب الأسد عن إدانة صلاح نصر رئيس الجهاز وسجنه إضافة إلى كل حسين عليش نائب رئيس الجهاز، وعدد كبير من الضباط وغير الضباط من داخل الجهاز وخارجه.
عودة أجهزة المخابرات مرة أخرى لتصدر المشهد الأمني يستصحبه عودة مظاهر أخرى لعمل المخابرات في الستينات ومنها استخدام الفنانات والفنانين في أعمال سياسية بعضها ظاهر وبعضها خفي، ولعل مرافقة عدد من الفنانات الشهيرات للسيسي في جولاته الخارجية سواء في الولايات المتحدة او ألمانيا هي احد ترتيبات تلك الأجهزة، كما يشير بعض المراقبين إلى احتمال توظيف هذا السلاح ضد بعض السياسيين الذين ساندوا الانقلاب ثم اكتشفوا خطأهم ولكنهم لا يستطيعون الجهر بذلك خشية كشف ملفات أمنية لهم.
ووفقا لمتابعين فإن أجهزة الأمن التي أعلنت تلك القضية أرادت من خلالها إحداث فرقعة كبرى حتى لو كانت بلا مضمون، بهدف مزدوج ، داخليا لاستمرار وضع الشارع تحت خوف العمليات الإرهابية التي يتعرض لها الوطن وقد تطال امن المواطنين، وخارجيا لإرسال تحذيرات للمجتمع الدولي أن الدولة المصرية تواجه ارهابا منظما وأكثر حرفية تحتاج مواجهته إلى دعم دولي، وكذا للتغطية على محاكمة الرئيس مرسي التي كان من المفترض صدور حكمها النهائي اليوم قبل أن يتم تأجيله.